أفادت مصادر مطلعة أن ملف تقنين خدمات النقل عبر التطبيقات الذكية بات أشبه بـ“صداع رأس” داخل دوائر القرار، في ظل الضغط المتزايد الذي تعرفه المدن الكبرى، وأيضاً في سياق استعداد المغرب لاستضافة نهائيات كأس العالم 2030 إلى جانب إسبانيا والبرتغال، وما يفرضه ذلك من متطلبات على مستوى الجاهزية اللوجستية وجودة خدمات التنقل الحضري.
المصادر ذاتها أكدت أن مشاورات تقنية جرت خلال الأسابيع الماضية بين قطاعات وزارية معنية وفاعلين مهنيين، لإعادة تقييم الإطار القانوني المؤطر للنقل الحضري، خصوصاً مع اتساع الفجوة بين العرض والطلب في مدن مثل الدار البيضاء والرباط ومراكش.
وتفيد معطيات مهنية بأن فترات الذروة تشهد عجزاً واضحاً في الاستجابة لطلبات التنقل، ما يدفع شريحة واسعة من المواطنين إلى اللجوء إلى تطبيقات رقمية تشتغل خارج إطار قانوني صريح.
ويأتي هذا التحرك في وقت يتصاعد فيه الجدل حول نظام المأذونيات، الذي يصفه مهنيون وحقوقيون بأنه لم يعد مواكباً للتحولات الديمغرافية والتكنولوجية. فالسائقون يشتكون من كلفة الاستغلال اليومية المرتفعة، فيما يعبّر مستعملون عن تذمرهم من ممارسات مثل انتقائية الوجهات أو رفض بعض الرحلات، ما يعمق الإحساس بوجود اختلالات بنيوية في القطاع.
في هذا السياق، كان بوعزة الخراطي، رئيس الجامعة المغربية لحقوق المستهلك، قد دعا إلى تسريع إدماج التطبيقات الذكية ضمن منظومة قانونية واضحة، معتبراً أن الرقمنة تمثل مدخلاً أساسياً لتحديث القطاع، شريطة ضمان حماية المستهلك وتأمين المعطيات الشخصية وإخضاع المنصات لمقتضيات جبائية وتنظيمية دقيقة.
من جهتها، طالبت النقابة الديمقراطية للنقل باعتماد مقاربة انتقالية تتيح منح تراخيص مؤقتة ومؤطرة لمشغلي النقل عبر التطبيقات، لامتصاص الضغط الحالي، في انتظار بلورة إصلاح شامل. وحذرت مصادر نقابية من أن استمرار الوضع الرمادي يفاقم الاحتقان الميداني، ويؤثر سلباً على صورة القطاع، كما يحرم خزينة الدولة من موارد ضريبية مهمة.
وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن الحكومة تدرس سيناريوهات متعددة، من بينها إدماج تدريجي للتطبيقات ضمن نموذج تنظيمي جديد يضمن تكافؤ الفرص بين مختلف الفاعلين، ويخضع الجميع لنفس الشروط المرتبطة بالتأمين والمراقبة التقنية والتصريح الجبائي. كما يجري التفكير في آليات لتأهيل السائقين وتحديث الأسطول، بما يتماشى مع المعايير الدولية، خاصة مع اقتراب مواعيد رياضية وسياحية كبرى.
في المقابل، لا يخفي مهنيون في قطاع سيارات الأجرة تخوفهم من فتح السوق دون ضمانات اجتماعية واضحة، معتبرين أن أي إصلاح يجب أن يراعي أوضاع آلاف السائقين الذين يشتغلون في إطار منظومة قائمة منذ عقود، ويعتمدون عليها كمصدر رزق وحيد.
وبين ضغط المدن، وانتظارات المستعملين، وحسابات التوازن الاجتماعي، يبدو أن ملف “VTC” عاد فعلياً إلى طاولة الحكومة، هذه المرة في سياق أكثر إلحاحاً، حيث لم يعد النقاش تقنياً فقط، بل مرتبطاً بصورة المغرب كوجهة قادرة على توفير منظومة نقل عصرية وفعالة.







