تتواصل الهيمنة التجارية التركية على المغرب بشكل صارخ، إذ أظهرت بيانات رسمية أن حجم التبادل التجاري بين أنقرة والرباط تجاوز لأول مرة خمسة مليارات دولار سنة 2025 ( أي قرابة 55 مليار درهم مغربي )، مع نصيب الأسد للصادرات التركية التي بلغت نحو 3,9 مليار دولار ( أي ما يناهز 42.9 مليار درهم)، ما يعكس تفوقًا واضحًا لأنقرة على المغرب في هذا الشق الحيوي من الاقتصاد الوطني.
الرقم، الذي يمثل أكثر من ثلاثة أرباع حجم التبادل الإجمالي، يسلط، وفق مصادر مطلعة، الضوء على خلل هيكلي لم يتم التعامل معه بجدية من قبل الجهات المغربية المسؤولة، وعلى رأسها وزارة التجارة والصناعة، التي يبدو أنها اكتفت بالتقارير والاجتماعات النظرية، دون مبادرات عملية لتعزيز القدرة التصديرية الوطنية أو دعم قطاع الصناعات المحلية.
وبحسب البيانات الرسمية التركية، واصلت الصادرات التركية نحو المغرب نموها في يناير 2026، محققة زيادة بنسبة 18,7٪ مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، لتتجاوز 305 ملايين دولار.
وترى المصادر نفسها أن هذا النمو يعكس حجم الطلب المغربي المتزايد على السلع والخدمات التركية في مجالات السيارات والنسيج والطاقة والمواد الأولية الصناعية، في حين يبرز بجلاء العجز المغربي عن مجاراة المنافسة، ما يشير إلى ضعف أدوات الدولة في حماية وإرساء الصناعات الوطنية.
وفي سياق ذلك، تشير المصادر إلى أن الاجتماعات التي عقدت بين الرباط وأنقرة، سواء في العاصمة التركية أو بالرباط، لتحديد “خريطة طريق” لتقليص الاختلالات التجارية، ما زالت محدودة التأثير، إذ بقيت الإجراءات على أرض الواقع متواضعة، وهو ما يثير علامات استفهام كبيرة حول جدية الحكومة المغربية في الدفاع عن مصالحها الاقتصادية الحيوية.
في المقابل، يسعى المغرب لتعويض هذا العجز عبر جذب الاستثمار الأجنبي، مستفيدًا من استقراره السياسي والاقتصادي، وموقعه الجغرافي الاستراتيجي على مفترق أوروبا وإفريقيا، وبنيته التحتية الحديثة نسبيًا.
وترى مصادر في وزارة الاقتصاد أن استضافة نهائيات كأس العالم 2030 مع إسبانيا والبرتغال يمكن أن تشكل محفزًا إضافيًا لجذب الاستثمارات، خصوصًا في قطاعات البناء والفندقة والخدمات، إلا أن الخبراء يشيرون إلى أن هذا المسار يبقى تكميليًا، ولا يعالج جوهر الاختلال التجاري، الذي يتمثل في ضعف القدرة التصديرية وانحسار الإنتاج الوطني.
وبحسب المصادر نفسها، تستغل الشركات التركية، بخبرتها الكبيرة في مشاريع البناء والتصدير، هذه الفجوة لصالحها، ما يزيد من صعوبة معادلة الميزان التجاري في المستقبل القريب، إذا لم تتحرك الرباط بخطط عملية وجريئة لتعزيز صادراتها وتوسيع قاعدة صناعاتها التنافسية، بدل الاكتفاء بالخطاب التقليدي والاجتماعات النظرية.







