يتجه الاتحاد الأوروبي إلى فتح ورش واسع لاستقطاب سائقي الشاحنات من خارج حدوده، في محاولة لاحتواء أزمة خانقة تضرب قطاع النقل البري وتُهدد سلاسل الإمداد عبر القارة. العجز، وفق معطيات صادرة عن الاتحاد الدولي للنقل البري، يناهز نصف مليون سائق محترف، وهو رقم يعكس خللاً بنيويا تفاقم خلال السنوات الأخيرة بفعل شيخوخة اليد العاملة الأوروبية وعزوف فئات واسعة من الشباب عن ولوج مهنة توصف بالشاقة وطويلة الساعات.
ويجري تنزيل المبادرة الجديدة، التي تحمل اسم SDM4EU، بتنسيق بين الاتحاد الدولي للنقل البري وآلية “Migration Partnership Facility”، وتهدف إلى إحداث جسور مهنية بين دول تعاني خصاصاً حاداً في السائقين داخل الاتحاد، وأخرى تتوفر على فائض في الكفاءات.
وتوجد ضمن لائحة البلدان المعنية بالتجارب الأولى كل من مصر والمغرب وتونس، إضافة إلى كينيا وباكستان وبنغلادش، على أن تنطلق المرحلة التجريبية في النصف الثاني من السنة الجارية.
وتكشف الأرقام أن الاعتماد على اليد العاملة الأجنبية ليس أمراً طارئاً في أوروبا. فحوالي 300 ألف سائق من خارج الاتحاد يشتغلون حالياً في قطاع النقل الطرقي، أي ما يقارب 8 في المائة من مجموع القوة العاملة. وفي بعض الدول، مثل بولندا، تصل النسبة إلى مستويات أعلى بكثير، إذ يمثل القادمون من خارج الاتحاد واحداً من كل ثلاثة سائقين في النقل الدولي. غير أن توسيع الاستقدام بهذا الحجم يضع بروكسيل أمام تحديات تنظيمية ومهنية معقدة.
في السياق ذاته، خلصت دراسة أوروبية حديثة بعنوان STEER2EU إلى وجود فجوات معتبرة بين أنظمة التأهيل المعتمدة داخل الاتحاد الأوروبي ونظيراتها في عدد من الدول المستهدفة. أبرز هذه الفوارق يتعلق بشهادات الكفاءة المهنية (CPC) الإلزامية في أوروبا، والتي لا تعتمد بالشكل ذاته في بعض البلدان، ما يفرض توحيداً أو على الأقل مواءمة عاجلة للمعايير، تفادياً لأي ارتباك قانوني أو مهني قد ينعكس على السلامة الطرقية وجودة الخدمات.
مؤيدو الخطة يعتبرونها استجابة عملية لحاجة ملحة تهدد تنافسية الاقتصاد الأوروبي، ويشددون على أنها حل تكميلي لإصلاحات داخلية مطلوبة، لا بديلاً عنها. فالنقص الحاد في السائقين يرفع تكاليف النقل ويؤثر على حركة السلع، في وقت تتصاعد فيه رهانات الأمن الغذائي والصناعي. غير أن الأصوات المعارضة تحذر من أن استيراد اليد العاملة قد يتحول إلى “حل سهل” يؤجل معالجة جذور الأزمة، وفي مقدمتها تدني الأجور مقارنة بطبيعة العمل، وطول فترات القيادة، وضعف الجاذبية الاجتماعية للمهنة.
الملف يثير أيضاً مخاوف مرتبطة بظروف اشتغال السائقين الأجانب. تقارير سابقة وثقت حالات تراكم ديون لوكالات التوظيف، وضغوط مرتبطة بتجديد الإقامة، فضلاً عن الإقامة لفترات طويلة داخل الشاحنات في ظروف صعبة. كما يُطرح هاجس السلامة الطرقية بقوة، في ظل اختلاف ثقافة القيادة والأنظمة القانونية واللغات، بينما يلتزم الاتحاد الأوروبي بهدف طموح يقضي بالوصول إلى “صفر وفيات” على الطرق في أفق 2050.
وبالنسبة للمغرب، يفتح البرنامج المحتمل باباً جديداً أمام فئة من السائقين الباحثين عن فرص عمل بأجور أعلى، لكنه يضع أيضاً أسئلة حول معايير الانتقاء، والاعتراف بالشهادات، وحماية الحقوق الاجتماعية.







