تواجه الاستراتيجية التي توصف بـ”الحصار الشامل”، والتي ينتهجها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه إيران، اختباراً معقداً يضع رهانات واشنطن أمام واقع جيوسياسي متشابك؛ إذ تشير تقديرات عسكرية وسياسية إلى أن التعويل على تحقيق “ضربة قاضية” عبر خنق الموانئ قد لا يحقق النتائج المرجوة.
وبحسب ورقة تحليلية نشرتها صحيفة “نيويورك تايمز”، فإن هذا النهج، رغم اعتماده سابقاً في حالات مثل فنزويلا وكوبا، يصطدم في الحالة الإيرانية بتعقيدات تتجاوز مجرد تعطيل حركة الملاحة البحرية. ووفق المصدر ذاته، فإن طهران، التي يُعتقد أنها عززت حضورها في مضيق هرمز منذ تصاعد التوترات الأخيرة، تمكنت من تحويل هذا الممر الحيوي إلى ورقة ضغط استراتيجية في مواجهة الولايات المتحدة.
وأضاف التقرير أن إدارة ترامب، في سعيها لتحقيق مكسب سريع ينعكس على الداخل الأمريكي، خاصة مع اقتراب استحقاقات انتخابية، تواجه في المقابل مقاربة إيرانية مختلفة تقوم على منطق “حرب الاستنزاف”، مستندة إلى ما يوصف بـ”عدم تكافؤ المخاطر”. ففي حين يُنظر إلى الأزمة في واشنطن كملف قابل للتدبير السياسي، تتعامل معها طهران كقضية ذات طابع وجودي.
وفي السياق ذاته، تشير الورقة إلى أن تجارب التاريخ تُظهر أن سياسات الحصار البحري نادراً ما تفضي إلى نتائج سريعة، مستحضرة نماذج من الحرب الأهلية الأمريكية والحرب العالمية الأولى، حيث استغرق تأثير الحصار الاقتصادي سنوات دون أن يمنع الأطراف المعنية من مواصلة القتال.
وتابع المصدر أن المعطيات الميدانية الحالية تفيد بامتلاك إيران لهوامش مناورة متعددة، تشمل قدرات تخزينية للنفط تمتد لأشهر، وشبكات تجارية برية بديلة، إضافة إلى وسائل تتيح استمرار تدفق صادراتها رغم القيود المفروضة.
في المقابل، يطرح التقرير إشكالات قانونية تحيط بالتحركات الأمريكية، إذ يرى أن أي حصار بحري يستوجب، وفق قواعد القانون الدولي، شروطاً من قبيل الفعالية والتحديد الجغرافي الواضح وضمان ممرات إنسانية، وهي معايير يعتبر أن تطبيقها في الحالة الراهنة يظل محل نقاش.
وعلى الصعيد الداخلي، يواجه الرئيس الأمريكي ضغوطاً متزايدة مع امتداد أمد الأزمة، في ظل مؤشرات على انعكاسات اقتصادية تشمل تقلب أسعار الطاقة والأسمدة، وهو ما قد يؤثر على اقتصادات عدة مناطق، من بينها أوروبا وشرق آسيا.
وخلصت “نيويورك تايمز” إلى أن المفارقة في هذه المواجهة تكمن في أن أداة الحصار، التي يُراد منها تقليص نفوذ إيران، قد تسهم، في حال استمرارها دون حسم، في تعزيز موقعها ضمن ما يوصف بـ”صراع الإرادات”، بالنظر إلى امتلاكها هامشاً زمنياً واستراتيجياً أوسع مقارنة بحسابات السياسة الداخلية الأمريكية.







