لا توجد منطقة على مستوى العالم تضاهي الدول المطلة على الخليج العربي في إنتاج النفط والغاز، وتعتمد غالبية هذه الإمدادات على النقل البحري عبر الناقلات من خلال مضيق هرمز.
توقفت حركة الملاحة عبر هذا الممر الحيوي بشكل شبه تام منذ الضربات التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران في أواخر فبراير، ما أدى إلى صدمة تضخمية في الاقتصاد العالمي وأشعل موجة اضطرابات عبر قطاعات متعددة، بدءاً من صناعة الأسمدة في الهند إلى التصنيع في كوريا الجنوبية، وصولاً إلى قطاع الطيران في أوروبا.
ومع وجود أكثر من 200 ناقلة عملاقة عالقة داخل الخليج، اضطرت دول المنطقة إلى إيقاف معظم إنتاجها النفطي وسط غياب طاقات تخزين كافية للإمدادات الجديدة. وحتى لو توصلت الولايات المتحدة وإيران إلى اتفاق لإعادة فتح المضيق، تبقى عودة حرية الملاحة بشكل كامل غير مضمونة.
وفي المقابل، ألمحت الحكومة الإيرانية إلى نيتها توظيف سيطرتها الفعلية على مضيق هرمز ليس فقط لتعزيز موقفها في مفاوضات السلام، بل أيضاً كأداة دائمة ضمن ترسانتها الدبلوماسية.
في أعقاب اندلاع الحرب أواخر فبراير، لوّحت الحكومة الإيرانية باستهداف أي سفن تعبر المضيق دون موافقتها، ما أدى إلى تراجع متوسط حركة العبور اليومية إلى ما دون 10 سفن، مُقارنةً بنحو 135 سفينة في أوقات السلم.
في المقابل، سمحت طهران بمرور عدد محدود من السفن، بما فيها الناقلات التي تحمل نفطها، عبر الممر المائي بمحاذاة سواحلها، وأحياناً مقابل مدفوعات تصل إلى مليوني دولار. ونتيجة لذلك، وبينما انكمشت شحنات المصدرين الآخرين في المنطقة بأكثر من 95% بحلول منتصف مارس، لم تشهد شحنات النفط الإيراني سوى تراجع طفيف عن مستويات ما قبل الحرب، وفق بيانات شركة “كبلر” (Kpler).
رغم إعلان الأطراف المتحاربة وقف إطلاق النار في مطلع أبريل، أكد مالكو السفن أن الأوضاع في مضيق هرمز لم تشهد تغيراً يُذكر، لافتين إلى استمرار اشتراط إيران الحصول على موافقتها لعبور السفن عبر الممر.
تراجعت عمليات العبور المصرح بها من جانب طهران بشكل حاد بعدما فرضت الولايات المتحدة حصاراً على السفن الإيرانية التي تستخدم المضيق اعتباراً من 13 أبريل. ورغم إعلان إيران إعادة فتح المضيق في 17 أبريل، فإنها أغلقته مجدداً بعد ساعات قليلة فقط إثر رفض واشنطن تخفيف حظرها على حركة الشحن.
متى سيفتح مضيق هرمز؟
يرتبط ذلك بمدى سرعة توصل الولايات المتحدة وإيران إلى تسوية طويلة الأمد تنهي الصراع وتبدد المخاطر التي تهدد الملاحة التجارية. ومع استمرار تصاعد الخسائر الاقتصادية، من المرجح أن تتزايد الضغوط على الطرفين لإبرام اتفاق، إلا أن حدود تحمل كل منهما للاضطرابات لا تزال غير محسومة.
ومن غير المتوقع أن يفضي أي اتفاق سلام إلى عودة فورية لحركة الملاحة الطبيعية في المضيق. فمالكو السفن، ما لم يطمئنوا إلى أن إعادة الفتح ستكون مستدامة، قد يميلون إلى إخراج سفنهم العالقة من الخليج بدلاً من الدفع بسفن جديدة قد تجد نفسها محاصرة مجدداً في حال إغلاق الممر مرة أخرى.
في هذا السياق، أعلنت إيران زرع ألغام على امتداد المسارات الأكثر استخداماً داخل المضيق الضيق، ما يستدعي عمليات تطهير قد تمتد لأسابيع. كما أن التشويش الواسع على إشارات نظام تحديد المواقع (GPS)، الذي زاد من صعوبة وخطورة حركة الملاحة، سيتطلب معالجة كاملة. وحتى بعد ذلك، قد يتردد بعض مشغلي السفن في الإبحار دون توفير مرافقة عسكرية تضمن سلامتهم.
في المقابل، لا يمتلك سلاح البحرية الأميركي القدرات الكافية لحماية أكثر من 100 سفينة في وقت واحد، فيما يرى مسؤولون دفاعيون غربيون أن إعادة فتح المضيق لن تكون ممكنة إلا عبر تحالف دولي. وهو ما يفرض على الرئيس الأميركي دونالد ترمب إقناع الحلفاء بنشر قواتهم البحرية إلى جانب القوات الأميركية.
ومع ذلك، قد لا تستوعب هذه العملية نفس حجم الحركة المعتاد في الظروف الطبيعية، إذ إن تكدس السفن داخل الممر قد يرفع مخاطر التعقيدات العملياتية، مثل عجز السفن الحربية عن التعامل مع تهديدات واردة بسبب وجود سفن تجارية في مسار الاشتباك. كما قد يستغرق الأمر أسابيع لمعالجة التكدس على جانبي المضيق، في ظل الأعداد الكبيرة من السفن العالقة حالياً في الخليج.
ما أهمية مضيق هرمز؟
يقع مضيق هرمز بين إيران من الشمال وكل من الإمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان من الجنوب، ويربط بين الخليج العربي والمحيط الهندي. ويصل طوله إلى نحو 100 ميل (161 كيلومتراً)، بينما يبلغ عرضه عند أضيق نقطة 24 ميلاً، في حين لا يتجاوز عرض الممرات الملاحية في كل اتجاه ميلين فقط.
يُعد المضيق شرياناً حيوياً في سوق الطاقة، إذ يمر عبره نحو ربع تجارة النفط المنقولة بحراً وخُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال عالمياً. وتعتمد كل من السعودية والعراق وإيران والكويت والبحرين وقطر والإمارات على هذا الممر في تصدير النفط الخام، مع توجيه معظم الشحنات إلى الأسواق الآسيوية. كما تحتضن دول الخليج مصافي تكرير تنتج كميات كبيرة من الديزل والنافثا، المستخدمة في صناعة البلاستيك والبنزين، إضافة إلى منتجات بترولية أخرى يتم تصديرها عالمياً عبر المضيق.
أما السعودية، التي تُصدر معظم نفطها عبر هرمز، فقد أعادت توجيه شحنات الخام عبر خط أنابيب يمتد إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر. وتعمل شركة “أرامكو السعودية” على تشغيل الخط بكامل طاقته البالغة 7 ملايين برميل يومياً، غير أن نحو مليوني برميل منها تُخصص للاستهلاك المحلي في المصافي ومحطات توليد الكهرباء وتحلية المياه، ما يترك قرابة 5 ملايين برميل يومياً كحد أقصى متاحة للتصدير عبر ينبع، أي أقل بنحو 30% من مستويات التصدير المعتادة للمملكة.
مع ذلك، لا يخلو مسار البحر الأحمر من المخاطر، إذ سبق أن استهدفت إيران منشآت في ينبع وضربت محطة ضخ على خط الأنابيب شرق–غرب، في وقت لوح فيه الحوثيون المدعومون من إيران في اليمن باستئناف الهجمات على السفن في البحر الأحمر.
بالمثل، يمكن للإمارات تجاوز مضيق هرمز إلى حد ما، إلا أن قدراتها الاحتياطية تبقى محدودة، كما تعرض ميناء الفجيرة، الواقع عند نهاية خط أنابيب يربط الحقول النفطية الإماراتية بخليج عُمان، لاضطرابات بفعل هجمات بمسيرات. من جهته، يسعى العراق إلى استئناف الشحنات عبر موانئ في الأردن وسوريا، لكن الكميات المطروحة تظل جزءاً محدوداً من شحناته المعتادة عبر المضيق.
هل تمتلك إيران حق السيطرة على مضيق هرمز؟
بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، تمتد سيادة الدول إلى مسافة تصل إلى 12 ميلاً بحرياً (14 ميلاً) من سواحلها، وهي ما يُعرف بالمياه الإقليمية، ويقع المضيق ضمن هذه المياه لكل من إيران وسلطنة عمان.
ومع ذلك، يتعين على الدول السماح بـ”المرور البريء” للسفن الأجنبية عبر مياهها الإقليمية، وألا تعرقل هذا المرور أو “العبور” عبر المضائق المستخدمة للملاحة الدولية. كما تنص الاتفاقية على أنه لا يجوز للدول فرض رسوم على السفن الأجنبية لمجرد مرورها عبر مياهها الإقليمية.
في هذا السياق، قال رئيس المنظمة البحرية الدولية، وهي جهة عالمية رئيسية معنية بقطاع الشحن، في 9 أبريل، إن أي تحرك من طهران لفرض نظام رسوم دائم على مضيق هرمز يُعد أمراً غير مقبول، وقد يشكل سابقة خطيرة.
بلومبرغ بتصرف







