عاد المشاركون في الملتقى الدولي للفلاحة بمكناس إلى حقولهم ومراعيهم وشركاتهم وتعاونياتهم وهمومهم. أُسدِل الستار على الدورة 18 من ذلك «الموسم» في انتظار الدورة المقبلة.
وباستثناء إعلان وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات أحمد البواري عن محصول الحبوب، الذي توقّع أن يقفز إلى 90 مليون قنطار بعدما كان في حدود 44 مليون قنطار في الموسم الماضي، لم تشهد الدورة التي دامت تسعة أيام أي إعلانات أو قرارات مثيرة للانتباه.
هل شذت الدورة 18 عن الدورات السابقة؟ الجواب هو: لا.
في الدورات الأولى كان ثمة نقاش يحاول تناول فرضيات وحصيلة المخطط الأخضر. حاول خبراء ومهنيون وحتى بعض أصحاب القرار مقاربة ذلك الموضوع ولو على استحياء في بعض الأحيان، دون التوصل إلى جواب شافٍ يأخذ بعين الاعتبار التحولات التي عرفها القطاع الزراعي والمخاطر التي تحيط به، والتي ترتبط بشكل خاص بالجفاف وندرة المياه.
تم الانتقال إلى مخطط الجيل الأخضر دون نقاش عمومي أو حتى مهني يحصر حصيلة النسخة الأولى من السياسة الفلاحية التي عُرفت باسم «المخطط الأخضر»، واختارت منظمات مهنية ممثلة لمصالح المستثمرين حل مشاكلها بعيدًا عن الإعلام في اجتماعات مع وزارة الفلاحة التي توفر الدعم عبر الوكالة الوطنية للتنمية الفلاحية.
ورغم ما بُذل من مال الدعم، لم ترتفع مساهمة الفلاحة في الناتج الداخلي الخام، حيث ظلت في حدود 12 في المائة، ولم يتطور التشغيل الذي ظل هشًّا، يغلب عليه الطابع الموسمي وغير المؤدى عنه. وحتى عندما يتحدث المهنيون اليوم عن الخصاص على مستوى اليد العاملة، فهم يسعون إلى عمال موسميين قد لا يُصرَّح بهم لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، ولا يتلقون أجورًا تراعي ارتفاع الأسعار. ألم يُعبر مهنيون عن ضيقهم من فكرة توحيد الحد الأدنى للأجر الفلاحي مع الحد الأدنى في القطاعات الأخرى؟…
كان التساؤل في بداية العمل بالمخطط الأخضر يتمحور حول مدى صحة الفرضيات التي بُنيت عليها تلك السياسة. صحيح أن المخطط بنى دعامته الثانية على الفلاحة التضامنية التي أريد منها جبر خاطر الفلاحين الصغار وحتى المتوسطين، غير أنه سلّط الضوء أكثر على الدعامة الأولى التي تراهن على تعظيم إنتاج الخضر والفواكه والتوجه أكثر نحو التصدير.
أثار ذلك تساؤلات حول مصير الزراعة المعاشية، التي رأى فيها البعض شرطًا لتحقيق السيادة الغذائية التي عُوضت بمفهوم الأمن الغذائي. فإذا كانت السيادة الغذائية ترمي إلى توفير السلع الغذائية الأساسية مثل القمح واللحوم والزيوت والخضر عبر الإنتاج المحلي، فإن الأمن الغذائي قد يعني تأمين تلك السلع عبر الاستيراد والتركيز أكثر على مستوى الإنتاج على الزراعات التصديرية.
تلك مقاربة لم تأخذ بعين الاعتبار مخاطر الارتهان للسوق الخارجية المتقلبة بفعل التغيرات المناخية والتوترات الجيوسياسية، من أجل توفير السلع الأساسية التي ترتكز عليها قفة الأسر المغربية. هكذا ظل المغرب مستوردًا كبيرًا للقمح وزيوت المائدة واللحوم والحليب وحتى التمور.
واصل المغرب استيراد القمح. فقد وصلت مشترياته من القمح اللين في العام الماضي إلى 64 مليون قنطار. وفقد المغرب اكتفاءه الذاتي من اللحوم الحمراء والحليب، خاصة في ظل توالي سنوات الجفاف، الذي أضحى معطى هيكليًا يدعو خبراء إلى استحضاره في السياسة الفلاحية وحصيلتها، رغم الأمطار الاستثنائية التي شهدتها المملكة في الموسم الحالي.
وقد كان يفترض بعد سنوات من المخطط الأخضر، الذي أعقبه الجيل الأخضر، أن ينكب الملتقى الدولي للفلاحة بمكناس على حصر حصيلة السياسة بهدف التقييم والتصويب، غير أن ذلك لم يحصل.
لم يُرسخ تقليد النقاش وضاقت مساحة الندوات التي اختُزلت في جوانب تقنية بعيدة عن الإشكاليات التي تشغل المزارعين الصغار والمتوسطين والأسر التي ما فتئت تشتكي، عبر بحث المندوبية السامية للتخطيط حول مؤشر ثقة الأسر، من غلاء السلع الغذائية رغم تراجع معدل التضخم إلى ما دون 1 في المائة.
كان موضوع الدورة 18 هو «الإنتاج الحيواني» في ظل تراجع القطيع بنسبة 38 في المائة ورصد 13 مليار درهم بهدف إعادة تشكيله، غير أنه إذا كان النقاش قد سعى إلى الإحاطة بأسباب ذلك النزيف وطرق وقفه، فإن مربي الماشية والمستهلكين ما زالوا يستحضرون الاختلالات التي تعرفها السوق.
فالمربون الصغار والمتوسطون لا يتلقون الدخل الذي يستحقونه، بينما يشتري المستهلكون اللحوم الحمراء والأضاحي بثمن خيالي. والجميع يحمل المسؤولية للوسطاء والمضاربين الذين أظهروا جشعهم بقوة، فاستحقوا وصف «الشناقة» و«الفراقشية». لقد انضاف هؤلاء إلى اليد الخفية التي تتولى تنظيم العرض والطلب في سوق سري، كي يسطوا على أرزاق مربي الماشية ويعبثوا بجيوب المستهلكين.
لكن من هم هؤلاء الشناقة والفراقشية الذين يتحدث عنهم صاحب القرار العمومي والوزراء ونواب الأمة ومربو الماشية والمستهلك والتاجر…؟ فالجميع يلعن الشناق والفراقشي، يتساوى في ذلك المواطن والوزير الذي يعطي الانطباع بأنه فُوجئ، كما جميع خلق الله، بسطوة ذلك الصنف من الوسطاء في سوق اللحوم والمواشي وحتى الخضر والفواكه.
عندما يُطرح هذا السؤال على مهنيين في الملتقى الدولي للفلاحة بمكناس، يجيبون بأنهم أشخاص يشتغلون في المناطق المظلمة، يدخلون إلى السوق ليلاً ويغادرونه قبل بزوغ الفجر.
يشترون من مربي الماشية بثمن بخس، ثم يعيدون بيع الماشية عدة مرات قبل أن تصل إلى المستهلك حية أو على شكل لحوم حمراء…
لكن هل هويتهم معروفة؟..
ألم يتجاوز حضورهم السوق المحلية إلى الاستيراد، مستفيدين من الدعم المالي الذي وفرته الدولة بهدف ضبط أسعار اللحوم والماشية؟..
لا أحد يأتيك بالجواب الشافي، فتتخيل الشناقة والفراقشية مخلوقات من عالم آخر لا حكم لقانون الأرض عليهم… وتُفكر في عيد الأضحى المقبل بالكثير من التسليم.







