تنص الفقرة الأخيرة من المادة الأولى من مشروع قانون المحاماة على أن مهنة المحاماة جزء من أسرة القضاء؛ بل وأكثر من ذلك، فكانت هناك مطالب بالرقي منها، واعتبارها جزء من السلطة القضائية.
وبصرف النظر، عن ذلك التوصيف، أو تلك المطالب، فإن اعتبار المحاماة جزء من أسرة القضاء فيه عوار وعيب ذات طبيعة دستورية يختلط فيه الشكل بالجوهر ، بسبب التأثيرات الفئوية، جعل المشرع يستعمل مصطلحات غريبة عن القاموس الدستوري والقانوني.
ذلك أن وصف القضاء بمصطلح الأسرة، يظل غريبا عن الوصف الذي أعطاه الدستور والقانون التنظيمي رقم 106.13 المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة؛ إذ بالرجوع إلى مقتضيات الفصول من 107 إلى غاية 128، وكذلك بالرجوع إلى القانون التنظيمي المذكور، يتضح أن المنظومة القانونية لم تصف القضاء بالأسرة.
فالوصف القانوني الوحيد للقضاء، هو ما نصت عليه المادة الأولى من الأولى من ذات القانون التنظيمي التي استعملت مصطلح السلك القضائي.
وتبعا لذلك فإن ما يسمح به دستوريا من مصطلحات في وصف القضاء من هو مصطلح ” السلك القضائي”؛ اعتبارا لكون القوانين التنظيمية تعتبر جزءا لا يتجزأ من الوثيقة الدستورية؛ ولذلك نص الدستور على إجبارية إحالتها على المحكمة الدستورية بقصد الحرص على مطابقتها للدستور قبل نشرها في الجريدة الرسمية، ودخولها حيز التنفيذ.
وبصرف النظر عن هذا العوار أو العيب الشكلي المختلط بالجوهر ذات الطبيعة الدستورية، فإنه لا يحول دون مناقشة الوصف الذي يجب أن يعطى لمهنة المحاماة في علاقتها بالسلك القضائي أو سلك القضاء.
وقبل هذا التحديد، لا بد أن نجد الجواب عن سؤال محوري يتعلق بماهية وصف القضاء بالسلك، أو بتعبير ٱخر ما هو المعنى القانوني لمصطلح السلك؟ ومن أي استمد مشرع القانون التنظيمي مصطلح السلك؟
ويقتضي الجواب عن هذه الأسئلة، ضرورة الجواب قبل ذلك عن سؤال ٱخر أكثر جوهرية، يتعلق بالطبيعة القانونية للقضاء، فهل هو مهنة؟ أم أنه وظيفة عمومية؟
إن مصطلح السلك لم يستعمله المشرع المغربي في أي من القوانين المنظمة للمهن باعتبارها وظائف حرة، فلم يصف به الطب الحر ولا الهندسة الحرة و ولا حتى المحاماة؛ فالحالة الوحيدة التي استعمل فيها المشرع مصطلح السلك، كانت عند وصفه لأسلاك الوظيفة العمومية، خاصة في النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، الصادر بشأنه الظهير الشريف رقم 1.58.008 المؤرخ في 24 فبراير 1958، كما وقع تغييره وتتميمه.
فبالرجوع إلى الفصل الثاني من ذات النظام الأساسي العام، يتضح أن المشرع المغربي استعمل مصطلح السلك، عند تعريفه للموظف العمومي، لما اعتبره ذلك الشخص المغربي الذي يعين في وظيفة قارة ويرسم بإحدى رتب السلم الخاص بأسلاك الإدارات التابعة للدولة.
وتبعا لذلك، فإن مصطلح السلك هو مصطلح قانوني خاص بأسلاك الوظيفة العمومية، التي قد يخضع جزء منها للنظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، في حين يخضع الجزء الٱخر المحدد في الفقرة الثانية من الفصل 4 من النظام الأساسي العام، لأنظمة خاصة بها؛ والتي من بينها تلك المتعلقة بالقضاة وكتاب الضبط ورجال التعليم وموظفي المياه والغابات ومفتشي المالية….، التي تعتبر أسلاكا تابعة للوظيفة عمومية تخضع لأنظمة قانونية خاصة بها، تتلاءم مع خصوصيتها الوظيفية.
وبناء على ما سبق ذكره، يكون مشرع القانون التنظيمي المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة، قد صادف الصواب وأحسن صنعا عندما وصف القضاء بالسلك القضائي، وتبعا لذلك لم يصفه بمهنة القضاء، ولا حتى بصفة الأسرة الذي يعتبر وصفا غريبا وشاذا من الناحية الدستورية والقانونية.
واستحضارا لكون القانون رقم 28.08 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، واستحضارا كذلك لكون واضع مشروع القانون رقم 67.2ـ المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، وصف المحاماة بكونها مهنة حرة، واستحضارا بكون القضاء ليس بأسرة، وليس بمهنة، بل هو سلكا من أسلاك الوظيفة العمومية الذي يخضع لنظام أساسي خاص مستقل عن النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، واستحضارا لكون المحاماة والقضاء يشكلان وجهين للحق في التقاضي، الوجه الأول يمثله القضاء، باعتباره سلكا خاصا من أسلاك الوظيفة العمومية،وهو المتعلق بحق الولوج إلى القاضي الطبيعي؛ في حين أن الوجه الثاني من الحق في التقاضي، تمثله المحاماة، باعتبارها مهنة حرة، وهو المتعلق بالحق في الدفاع، واستحضارا لهذا كله، يتضح أن القضاء والمحاماة هما وجهان منقلبين للحق في التقاضي؛ باعتباره حقا يصبو إلى تحقيق العدالة؛ وتبعا لذلك، لا يمكن تصور وجود عدل عند تخلف أو غياب أحد الوجهين في الحق في التقاضي، أي دون وجود قضاء ، أو دون وجود محاماة.
وما تم فإن تحديد طبيعة علاقة المحاماة بالقضاء، يجب أن تعتمد على معيار قائم على الغاية المتوخاة من الإلتصاق الفطري بين الوظائف التي يقوم بها كل واحد منهما، وهي غاية تحقيق العدالة، هذه العدالة تعتبر مرفقا عموميا، يشكل منظومة دستورية، تطبيقا لمقتضيات الفقرتين الثانية و الثالثة من الفصل 113 من الدستور، الذي أعطى للمجلس الأعلى للسلطة القضائية صلاحية إعداد تقارير حول وضعية القضاء و منظومة العدالة؛ الأمر الذي يؤكد أن هناك اختلاف بين مفهوم القضاء وبين مفهوم العدالة، على اعتبار أن القضاء ما هو إلا جزءا من منظومة العدالة، التي لا تكتمل إلا بجزئها الٱخر المتمثل في المحاماة.
وانطلاقا بالتحديد المفاهيمي لواضع المشرع الذي استعمل مصطلح الأسرة، رغم أنه به عوار دستوري، يمكن وصف المحاماة والقضاء بالأسرتين المستقلتين عن بعضهما البعض رغم انتمائهما لعائلة واحدة، هي عائلة العدالة، باعتبارها مرفقا عموميا.
وتبعا لذلك، يتضح أنه لئن كانت المحاماة مهنة حرة، والقضاء وظيفة عمومية تخضع لنظام خاص، فإنهما يشتغلان معا في منظومة العدالة باعتبارها مرفقا عموميا.
وتأسيسا عما سبق ذكره، يتضح أن المحاماة لا يمكن أن تكون جزءا من السلك القضائي، وإنما هي ترتبط بهذا السلك باعتبارهما جزء لا يتجزأ من المرفق العمومي للعدالة؛ مما يتعين معه على واضع المشروع إعادة النظر في المادة الأولى من مشروع قانون المحاماة بالتنصيص على أن المحاماة جزء من المرفق العمومي للمنظومة العدالة.
إذن فما هي ٱثار اعتبار المحاماة جزء من المرفق العمومي للعدالة؟ فهل تخضع لنفس الٱثار التي تخضع لها المرافق العمومية؟ وهل استقلاليتها تتعارض مع الأثر الرقابي الذي تخضع له المرافق العمومية؟
إن الجواب عن هذه الأسئلة، يستدعي ضرورة تحديد مناطق الاتصال والانفصال في المرافق العمومية بين نطاق الإستقلالية وحدود الفعل الرقابي؛ وهذا بطبيعة الحال، يدفع نحو الاستئناس بل والاسترشاد بمرافق عمومية أخرى مختلفة عن مرفق العدالة؛ ومن بينها مؤسسات دستورية مستقلة.
وقبل هذه المؤسسات الدستورية، يتم الاسترشاد بمهنة الطب الحر، ومهنة التوثيق، وقطاع الأبناك العمومية، فهي كلها تخضع لرقابة أجهزة الرقابة العمومية، حتى في جانبها المالي، وفي بعض الحالات حتى في الجانب الفني.
فمثلا بنك المغرب يمارس رقابة على الأبناك من زاوية تدبيرها لودائع المودعين؛ وكذلك نفس الشيء بالنسبة للمجلس الأعلى للحسابات يمارس الرقابة المالية على تدبير الأبناك العمومية، والأبناك الخاصة المستفيدة من برامج عمومية، من زاوية تدبير ودائع وحركيات الحساب البنكي للزبائن المستفيدين من هذه البرامج العمومية، كبرامج دعم السكن، وبرامج دعم الاستثمار السياحي والفلاحي..
وفضلا عما سبق ذكره، فإن الخضوع للرقابة المالية من طرف المجلس الأعلى للحسابات، لا يمس ولا يتعارض مع استقلالية المرافق العمومية المستقلة؛ بل وحتى الدستورية منها التي تخضع جميعها للرقابة المالية للمجلس الأعلى للحسابات.
وليس ببعيد عن مرفق العدالة، فإن المجلس الأعلى للسلطة القضائية الذي يمثل السلك القضائي يخضع هو الٱخر للرقابة المالية للمجلس الأعلى للحسابات.
وفي نفس الإطار، فإن حساب الودائع المتعلق بمهنة المحاماة التي تعتبر جزءا من المرفق العمومي للعدالة، يتعين هو الٱخر الخضوع إقالة المجلس الأعلى للحسابات، خاصة وأن هذا الحساب لا يتضمن فقط أموالا ناتجة عن تنفيذ أحكام قضائية صادرة ضد الخواص، بل يتضمن كذلك أموالا عمومية ناتجة عن تنفيذ أحكام قضائية صادرة في مواجهة الدولة ومؤسساتها ونقاولاتها العمومية، ولذلك يكون من الطبيعي خضوع هذا الحساب المتعلق بالودائع لرقابة التسيير التي يمارسها المجلس الأعلى للحسابات، بل وحتى المجلس الأعلى للسلطة القضائية يمكنه الاستعانة بالرقابة المالية التي يمارسها هذا الأخير على حساب الودائع، وذلك اعتبارا لكون تدبير هذا الحساب يرتبط ارتباطا وثيقا بمنظمومة العدالة التي يجب على المجلس الأعلى للسلطة القضائية إعداد بشأنها تقارير، تطبيقا لمقتضيات الفقرة الثانية من الفصل 113 من الدستور؛ بل وحتى ٱراء مفصلة عن كل مسألة تتعلق بالهداية، بناء على طلب من جلالة الملك أو الحكومة أو البرلمان.
ذ. عبد المنعم محسيني باحث في العلوم القانونية







