قبل أسابيع قليلة من عودة المغاربة إلى صناديق الاقتراع في 23 شتنبر المقبل، يعود النقاش حول الحصيلة الاجتماعية لحكومة عزيز أخنوش إلى الواجهة من جديد، لكن هذه المرة من خلال معطيات رسمية صادرة عن بنك المغرب، أعادت طرح أسئلة مرتبطة بالتشغيل والحماية الاجتماعية وجودة فرص العمل، وهي الملفات التي شكلت أحد أبرز مرتكزات البرنامج الحكومي منذ سنة 2021، وجعلت من مفهوم “الدولة الاجتماعية” العنوان الأبرز لهذه الولاية الحكومية.
فمنذ وصولها إلى السلطة، قدمت الحكومة الحالية نفسها باعتبارها “حكومة الدولة الاجتماعية”، فيما تعهد حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي يقود الأغلبية الحكومية، في برنامجه الانتخابي “مسار الثقة” بإحداث مليون منصب شغل صاف خلال الولاية الحكومية، إلى جانب تعميم الحماية الاجتماعية وتحسين الولوج إلى الخدمات الصحية وتوفير شروط الإقلاع الاقتصادي الكفيل بخلق فرص الشغل. كما أكد البرنامج الحكومي الذي قدمه عزيز أخنوش أمام البرلمان أن الأوراش الاجتماعية والاقتصادية التي باشرتها الحكومة تقوم على تكامل ملفات التشغيل والصحة والحماية الاجتماعية والتعليم.
ولم يكن الحديث عن “الدولة الاجتماعية” مقتصرا على البرنامج الحكومي، إذ شكل هذا المفهوم أحد أكثر التعابير حضورا في الخطابات السياسية لرئيس الحكومة ومكونات الأغلبية خلال السنوات الخمس الماضية، حيث قدم باعتباره الإطار الجامع للإصلاحات الاجتماعية التي تعهدت الحكومة بتنزيلها. وهو ما يجعل من المؤشرات المرتبطة بالتشغيل والحماية الاجتماعية إحدى الأدوات الممكنة لقراءة مدى تقدم هذا المشروع عشية انتهاء الولاية الحكومية.
وبينما تؤكد الحكومة، في أكثر من مناسبة، نجاحها في تنزيل عدد من البرامج الاجتماعية الكبرى، وعلى رأسها تعميم التأمين الإجباري الأساسي عن المرض والدعم الاجتماعي المباشر، فإن المعطيات التي كشف عنها تقرير بنك المغرب لسنة 2025 تفتح بابا آخر للنقاش يتعلق بطبيعة الشغل الذي يوفره الاقتصاد الوطني ومدى استفادة العاملين من الحقوق الاجتماعية المرتبطة به.
فقد كشف التقرير أن أكثر من ثلثي المستخدمين المستجوبين، أي بنسبة 68.4 في المائة، لا يستفيدون من التغطية الصحية في إطار عملهم، فيما ترتفع هذه النسبة إلى 92.2 في المائة في قطاع الفلاحة والغابات والصيد البحري، الذي يعد من أكبر القطاعات المشغلة بالمغرب. كما سجل التقرير ارتفاع حصة العمل الموسمي أو العرضي ضمن الحجم الإجمالي للتشغيل إلى 12.3 في المائة، في وقت ظل فيه 64.8 في المائة من العاطلين عن العمل بدون شغل لأكثر من سنة.
وتعيد هذه المعطيات إلى الواجهة أحد أبرز الرهانات التي قامت عليها الولاية الحكومية الحالية، والمتعلق بمدى قدرة سوق الشغل على مواكبة ورش تعميم الحماية الاجتماعية الذي قدمته الحكومة باعتباره أحد الأعمدة الأساسية لمشروع “الدولة الاجتماعية”. فالحكومة التي ربطت منذ سنة 2021 بين التشغيل والحماية الاجتماعية، تجد نفسها اليوم أمام مؤشرات رسمية تدفع إلى إعادة طرح سؤال العلاقة بين إحداث فرص الشغل وضمان الحقوق الاجتماعية المرتبطة بها.
وتذهب قراءات لمضامين البرنامج الحكومي وتعهدات سنة 2021 إلى أن مفهوم “الدولة الاجتماعية” لم يكن مرتبطا فقط بتوسيع دائرة المستفيدين من البرامج الاجتماعية، بل قام أيضا على الرهان على توفير شروط الشغل اللائق باعتباره مدخلا أساسيا لتعزيز الحماية الاجتماعية وتحسين مستوى عيش المغاربة. وهو ما يجعل من مؤشرات التشغيل وجودته جزءا لا يتجزأ من قراءة الحصيلة الاجتماعية للحكومة الحالية.
ويكتسي المعطى المرتبط بقطاع الفلاحة أهمية خاصة بالنظر إلى المكانة التي احتلها هذا القطاع ضمن الخطاب الاقتصادي للحكومة خلال السنوات الأخيرة. فبعد إطلاق استراتيجية “الجيل الأخضر 2020-2030″، التي راهنت على بروز طبقة وسطى فلاحية وتحسين ظروف عيش العاملين بالعالم القروي، تكشف معطيات بنك المغرب أن أزيد من تسعة عاملين من أصل عشرة بهذا القطاع لا يستفيدون من التغطية الصحية في إطار عملهم، وهو ما يعيد النقاش حول طبيعة التشغيل بالعالم القروي ومدى استفادة اليد العاملة الفلاحية من ثمار السياسات العمومية الموجهة لهذا القطاع.
ويرى متتبعون للشأن الاقتصادي والاجتماعي أن ملف الحماية الاجتماعية لا يمكن فصله عن طبيعة الشغل الذي يوفره الاقتصاد الوطني، باعتبار أن توسيع الاستفادة من الحقوق الاجتماعية للعاملين يظل رهينا أيضا بمدى استقرار مناصب الشغل وجودتها ومستوى التصريح بها. كما تذهب بعض القراءات الاقتصادية إلى أن نجاح مشروع “الدولة الاجتماعية” يظل مرتبطا بقدرته على إحداث أثر ملموس على مؤشرات التشغيل إلى جانب المؤشرات المرتبطة بالدعم الاجتماعي.
ولا تقف المؤشرات الرسمية عند حدود التغطية الصحية، إذ يظهر التقرير أن عدد العاطلين عن العمل بلغ 1.6 مليون شخص خلال سنة 2025، يشكل الشباب الذين تقل أعمارهم عن 35 سنة أكثر من ثلاثة أرباعهم، فيما يمثل الباحثون عن أول فرصة عمل نسبة 52.9 في المائة من مجموع العاطلين. كما أن 84.9 في المائة منهم حاصلون على شهادات، في مؤشر يعيد إلى الواجهة التحديات المرتبطة بإدماج الشباب وحاملي الشهادات في سوق الشغل.
ومن شأن هذه المعطيات أن تفتح الباب أمام قراءة أوسع للحصيلة الاجتماعية للحكومة، تتجاوز النقاش المرتبط بحجم الاعتمادات المالية المرصودة للبرامج الاجتماعية أو عدد المستفيدين منها، لتشمل أيضا جودة فرص الشغل ومدى تمتع العاملين بحقوقهم الاجتماعية الأساسية. وهو ما تجعل منه مؤشرات بنك المغرب أحد أبرز الأسئلة المطروحة عشية الانتخابات التشريعية المقبلة.
كما تضع هذه الأرقام ملف انخراط القطاع الخاص في إنجاح ورش “الدولة الاجتماعية” تحت المجهر، لاسيما وأن جزءا مهما من التصورات التي قدمتها الحكومة خلال السنوات الماضية قام على الربط بين تحفيز الاستثمار وخلق فرص الشغل وتعزيز الحماية الاجتماعية. وهو ما يجعل من مؤشرات التصريح الاجتماعي والاستفادة من الحقوق المرتبطة بالشغل إحدى حلقات هذا الترابط الذي يقوم عليه المشروع الاجتماعي للحكومة.
وتأتي هذه المعطيات في سياق سياسي خاص يتمثل في اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر المقبل، والتي يرتقب أن تشكل مناسبة لتقديم مختلف الأحزاب السياسية، وفي مقدمتها أحزاب الأغلبية الحكومية، لقراءتها الخاصة لحصيلتها الاقتصادية والاجتماعية. وفي هذا الإطار، تبدو المؤشرات المرتبطة بالتشغيل والحماية الاجتماعية من بين المعايير التي ستكون حاضرة بقوة في النقاش العمومي خلال المرحلة المقبلة.
وبين خطاب الإنجازات الذي ترفعه الأغلبية الحكومية اليوم، والأرقام التي تكشفها المؤسسات الرسمية، تعيد مؤشرات بنك المغرب طرح سؤال رافق هذه الولاية الحكومية منذ بدايتها “ماذا بقي من وعود “الدولة الاجتماعية” التي حملتها حكومة عزيز أخنوش إلى المغاربة سنة “2021، وإلى أي حد اقترب هذا المشروع من تحقيق الأهداف التي أعلن عنها قبل خمس سنوات؟







