“التالتة تابتة”. هذا هو العمود الثالث الذي أكتبه هنا على موقع “نيشان”، وكل ما أتمناه هو أن نبقى عند حسن ظن القراء، “ديما نيشان”، بلا لفّ ولا دوران. لقد سعدت حقا بالدعوة الكريمة التي وجهها إليّ الزميل العزيز عزيز ماگري، كي أكتب عمودا أسبوعيا في هذا المنبر الواعد، أتمناه خفيفا ظريفا، لطيفا نظيفا، خصوصا أن التواصل مع القراء انقطع من مدة، بسبب الأزمة التي تعيشها الصحافة، وبعض الانشغالات المهنية، وزحمة الحياة وتفاصيلها الرديئة. ثم إن كتابة العمود في زمن وسائل التواصل الاجتماعي مهمة صعبة.
لم يعد الناس يقرأون كما من ذي قبل، بل يفضلون محتويات سريعة على تيكتوك وفيسبوك ويوتوب وانستغرام وتوتير… استهلاك كسول لا يشغّل كثيرا من الملكات.
لم يعد المكتوب يغري كما في زمن الريشة و”ستيلو بيك”، وقلم الرصاص وسنواته. مضى ذلك الزمن الذي كان فيه الناس يتهافتون على الأكشاك لاقتناء الجريدة، ويبدؤونها من الصفحة الأخيرة حيث الأعمدة الساخرة والساحرة، التي تنتزع منك ابتسامة أو ضحكة وتحفزك في نفس الوقت على التفكير والفهم.
يكفي اليوم أن تلمس شاشة هاتفك كي تطير من موضوع لآخر، دون حاجة لتشغيل خلية واحدة في الدماغ، أو تسويد يديك بحبر الطباعة الفحمي. تستهلك صورا لا تعد ولا تحصى، دون بذل أي جهد من أجل فهم أي شيء. لا داعي للفهم أصلا، مادام العالم صار كتابا مفتوحا وسطحيا ومن النوع الرديء.
مواقع التواصل الاجتماعي تشجع على الكسل والغباء، وعلى الفشل، كما أنها أعطت الفرصة لملايين المعتوهين والحمقى والعُصابيين كي يتحدثوا إلى العالم على قدم المساواة مع من كانوا إلى عهد قريب يسمون بـ”النخبة” و”صنّاع الرأي العام”.
وكم كان الكاتب الإيطالي أمبرتو إيكو (1932-2016) بليغا حين قال إن “وسائل التواصل الاجتماعي تمنح حق الكلام لجحافل من المعتوهين، كانوا فيما مضى لا يتحدثون إلا في البارات، دون أن يتسببوا للمجتمع في أي ضرر، وكان يتم إسكاتهم فوراً. أما الآن فلهم الحق في الكلام مثلهم مثل الحائز على جائزة نوبل”… العالم أصبح بارا كبيرا. ليس مشكلة أن يستطيع أي واحد إيصال صوته إلى الناس في أي وقت يشاء، المشكلة في الفوضى التي ترافق ذلك، وما يصاحبها من أخبار زائفة وتسطيح وتفاهة…
لكن ذلك، في كل الاحوال، ليس مبررا كي نصمت ونهجر الكتابة، بل إن الكتابة أصبحت نوعا من المقاومة.
العمود الصحفي لن ينقرض، رغم تيكتوك وأنستغرام ويوتيوب… كما لم تقض السينما على الصورة الفوتوغرافية، ولم يقض المذياع على الجريدة، ولم يقض التلفزيون على المذياع، لن تقضي وسائل التواصل الاجتماعي على الصحافة، بخلاف ما يتوهم كثيرون. ستبقى “صاحبة الجلالة” متربعة على عرشها، وستتكسر الموجات في النهاية على الشاطئ، ذلك قدرها.
وسائل التواصل الاجتماعي مرتع للفوضى والضحالة، وملتقى للأخبار الزائفة ونظريات المؤامرة والتشهير والتعريض بالأشخاص والجماعات، فيما الصحافة مهنة تضع على عاتقها إخبار الناس بما يجري، طبقا لقواعد مضبوطة، وتراقب السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، عن طريق المساءلة والفضح، وتغوص عميقا في مختلف الظواهر الاجتماعية، بالتحقيق والتمحيص والتحليل.
لذلك ستظل الصحافة ركيزة أساسية في النظام الديمقراطي، رغم المحنة التي تعيشها في السنوات الاخيرة، بين المنافسة الحادة لمختلف الوسائط، والطفرة التكنولوجية، وسيطرة الرأسمال على قاعات التحرير، ناهيك عن القمع الذي يتعرض له الزملاء في مختلف أنحاء المعمور، خصوصا في الدول الديكتاتورية ومناطق الحروب والتوتر.
الصحافي هو كبش الفداء المثالي، مهنته تؤدي بسهولة إلى السجن أو الموت أو الإفلاس. لكن الصحافة ستبقى، رغم كل شيء. ستنتهي بأن تعثر مجددا على طريقها إلى المتلقي، وسط هذه الغابة الرقمية التي تجعل الداخل مفقودا والخارج مولودا!
في معظم البلدان، ذات التقاليد الإعلامية العريقة، نجحت الصحف في الانتقال الرقمي، من خلال تطوير عرضها ليتلاءم مع الطفرة التكنولوجية. مازال بإمكانك أن تقرأ كبريات الصحف العالمية في صيغة ورقية، كما يمكنك أن تقرأها في صيغة “بي دي إف” على شاشة الهاتف أو الحاسوب، فضلا عن الموقع الذي يتابع الأخبار على مدار الساعة…
أما في المغرب، فقد كانت الطفرة قاتلة. لم يكن “الانتقال الرقمي” أوفر حظا من “الانتقال الديمقراطي”. مات، هو أيضا، في حادث سير غامض. جلّ الصحف لم تستطع مواكبة تحولات المهنة، وتعيش عالة على الدولة. كثير منها تعرض للإفلاس والإغلاق، لتنبت على أنقاضه “مواقع إخبارية”، لا يجمع بين معظمها وبين الصحافة المهنية إلا الدعم العمومي.
هكذا ظهرت فئة جديدة من “الصحافيين”، يتجولون بين المظاهرات والمحاكم والفضائح واللايفات، ويمدون الميكروفون إلى الضيف دون أن يطرحوا عليه أي سؤال: “عافاك شي تشصريح”… والتشصريح هو جنس صحافي يجمع بين التصريح والتجريح والتشهير. أحيانًا يلبسون الزي الموحد، أو يقفون في صف طويل لاستلام “قفة رمضان”… وحين يسقط المطر، يهرعون بكاميراتهم إلى الشارع كي ينقلوا مباشرة وقائع “هطول أمطار الخير”،التي تتوقف طبعا بمجرد ما تلمح سحناتهم، وتجد من مازال يسأل لماذا نزل علينا الجفاف؟
ليس صحيحا أن الصحافيين المهنيين انقرضوا في المغرب، عددهم مازال محترما، لكنهم جميعا رجعوا إلى الوراء، وتركوا الساحة لـ”خوتشي خواتشاتشي المغاربة السلام عليكم”، أو كما قال الشاعر: “الخيل مربوطة والحمير تزعرط!”







