انتهى كأس العالم 2026 وحمله معهم الإسبان إلى مدريد عن جدارة واستحقاق، نكاية في دونالد ترامب، الذي اضطرّ إلى تعليق ميداليات الفوز على أعناق لاعبي أكثر بلد أوربي يكرهه. أبطال “الروخا” أبطلوا “السحور” الذي استعملته الأرجنتين طوال المونديال، وفكّكوا “الحرز” الذي يسمى “ميسي”، ولا شك أن لابننا “العاق” اليامين يامال ولجدته المغربية يد في الموضوع، لا شيء أكثر فعالية من دعوة الجدات. يامال حقق ضربة مزدوجة: انتقم لنا من فرنسا في نصف النهاية وانتقم للمصريين من الأرجنتين في النهاية، في انتظار أن يعود إلى رشده ويدخل إلى عرين الأسود، بنجمته العالمية.
المونديال انتهى، ومول لمليح باع وراح. كل فريق عاد إلى بلاده يجتر خيبته أو يهدهد فرحته. الجميع رجع على حساب الجامعة الرياضية لبلاده، إلا لاعبو السنغال الذين عادوا بإمكانياتهم الخاصة، بعد أن نشبت حرب أهلية داخل الفيدرالية السنغالية لكرة القدم، وتشتت الفريق شذر مذر وكان عبرة لمن يعتبر، كي يتأكد لمن لديه شك أن “دعاوي الشرفا خايبين”. السيناريو الذي وقع لهم مع المغرب استعادوه بحذافيره مع بلجيكا لكنهم لم يتجرأوا على مغادرة الملعب كما صنعوا في بلادنا، لأنهم يعرفون أنهم في “الميريكان” وترامب لا يمزح !
المونديال انتهى والجمهور المغربي انقسم إلى فريقين بعد خروج المنتخب من المنافسات. الأول غاضب من الإقصاء أمام فرنسا، والثاني يعتبر الوصول إلى ربع النهائي في حد ذاته إنجازا لا يقل أهمية عن انتصارات 2022. أنصار وهبي يصفقون للنتيجة رغم المباراة المخيبة للآمال ضد “الديوك”، ويتامى الركراكي يطالبون بعودة “راس لافوكا” إلى المنتخب، لأن ربع النهائي كان مريبا جدا، والملايين يريدون معرفة ماذا أكل حكيمي قبل “الماتش” كي يضحك بتلك الطريقة البلهاء ويقذف “الكوفرا” كأنه يلعب في دوري رمضان!
بينما ذهبت فئة عريضة من الجمهور بعيدا، وأصبحت تطالب بالكشف عن وثيقة “ايكس ليبان” كي تفحص البند المتعلق بكرة القدم، الذي يقضي بأن تربح فرنسا كل مبارياتها ضد المغرب. ومادمنا فتحنا ملف المعاهدات، يجدر التفتيش أيضا في الاتفاقيات المبرمة بين المغرب والبرتغال، لأننا تعودنا أن نفوز عليهم في كل دورات المونديال، ولا شك أن السرّ موجود في تفاهمات ما بعد معركة وادي المخازن، التي دحر فيها السعديون جيوش الملك دون سيباستيان عام 1578. يبدو أن المعاهدة تتضمن بند انتصار المغرب على البرتغال في كل مباريات المونديال. المعطيات من مصدر موثوق: رجل غاضب كان يكلم نفسه في تيراس المقهى بعد نهاية مباراة المغرب وفرنسا!
كرة القدم كلها سياسية. يكفي أن تنظر إلى صلعة إنفانتينو كي تفهم ذلك. لحسن الحظ ان ترامب كان مشغولا مع مباريات أخرى ساخنة في مضيق هرمز، ولم يأت للملعب إلا في نهاية المنافسات. لو تفرغ للمونديال لما اكتفى بأن تدخل من أجل إلغاء البطاقة الصفراء التي وجهها الحكم إلى أحد لاعبي المنتخب الأمريكي، ولما تنازل عن الكأس لأي فريق آخر، مهما كلّف الأمر. لكن البرتقالي لا يهتم إلا بما يشغل مواطنيه، وكثير من الأمريكيين لا يعرفون أصلا أنهم ينطمون كأس العالم. مشاغلهم مختلفة. يعيشون الحياة ويتمتعون بالعطلة ويراقبون ما تقتطعه الدولة من ضرائب، بخلاف الشعوب المتخلفة التي تدمن على اللعبة كما يدمن أي “مبلي” على “الزطلة”. كرة القدم مخدر قوي، تتعاطاه الشعوب الفقيرة برعاية أنظمتها، كي تبعدها عن القضايا الحقيقية، وتنهب البلاد كما تشاء. في الدول التي تحترم شعوبها، لا علاقة لكرة القدم ب”الوطنية”. إنها مجرد لعبة، كرة منفوخة بالهواء. الجمهور طبعا يشجع فريقه الوطني، وهناك بينهم المتحمسون المتشددون، لكن هناك أيضا من يرددون عبارة تعكس تصالحا مع الذات : “ليكن النصر حليف الأفضل!”… بل هناك من يشجع الفريق الخصم لاعتبارات موضوعية أو ذاتية. مثلا، حين يكون المنافس ممثلا لبلد فقير أو تحكمه طغمة مستبدة، تجد فئة من الجمهور الغربي تتمنى فوز ذلك الفريق، لأن شعبه المضطهد يحتاج إلى الفرحة أكثر منهم. المبادئ ما يقودهم. أما في البلدان التي تتشكل غالبية سكانها من “ضحايا المنظومة التربوية الفاشلة”، فيُعدّ تشجيع منتخب كرة القدم ركنا من “أركان الوطنية”، من لا يشجع الفريق يرتقي لمرتبة “الخائن”… وذلك طبعا مكتوب في معاهدة “إيكس ليبان!”







