حين تتأمل المشهد العام لإقليم سيدي بنور اليوم، يصدمك واقع مرير لا يمكن قراءته إلا من خلال عدسة واحدة: الإقليم بات يعيش، مع سبق الإصرار والترصد، خارج دينامية المغرب الحديث، ملتحقاً بهامش “المغرب غير النافع” الذي لا يتحرك ولا يسير.
لسنا هنا بصدد تشخيص عدمي، بل هو واقع يترجمه أنين البنية التحتية المهترئة، والغياب التام لأحياء صناعية قادرة على تحريك عجلة الاقتصاد، فضلاً عن منظومة صحية بائسة تلفظ أنفاسها الأخيرة. لقد أحكمت الأزمة خناقها على كل القطاعات، وتحديداً الفلاحة—التي يفترض أنها عصب الحياة للمنطقة—مما فجّر موجات هجرة جماعية ومكثفة لشبابنا نحو مدن أخرى توفر لقمة عيش كريمة، في وقت سجلت فيه معدلات البطالة، الفقر، والأمية مستويات قياسية غير مسبوقة في تاريخ الإقليم.
من المسؤول عن هذه الكارثة؟ الجواب في تقديري واضح ؛ إنها مسؤولية مشتركة بين عمال ومسؤولين ترابيين تعاقبوا على الإقليم ومرّوا منه كعابري سبيل دون ترك أي أثر تنموي حقيقي، وبين مجالس جماعية يسيرها منذ عقود في الغالب أشباه “إقطاعيين” بعقلية بائدة تعيد إلى الأذهان حقبة “القايد عيسى بن عمر”. هؤلاء تعاملوا مع الجماعات الترابية, لا كمرفق عام لخدمة المواطن، بل كضيعات خاصة لبسط النفوذ ومراكمة الثروات الشخصية.
إن الجماعات القروية بالإقليم ما زالت تراوح مكانها منذ أزيد من ثلاثة عقود؛ والمشهد رتيب ومتكرر بطريقة مخجلة: طريق متهالك يمر عبر قرية معزولة، مقهى متواضع، دكان صغير، ومصباح كهربائي باهت يضيء العتمة! أما الجماعات الحضرية، فلا زالت عبارة عن قرى كبيرة، يعشش فيها الفقر و البطالة ولا تملك مقومات المدينة. وهنا أتساءل بمرارة: أين تتبخر الميزانيات الضخمة المرصودة لهذه الجماعات؟ إن غياب آليات الرقابة ومؤسسات المحاسبة الصارمة من يمنح هؤلاء صكوك الإفلات من العقاب التنموي.
لكن المفارقة الأكثر استفزازاً، هي أن هؤلاء المنتخبين الذين اغتنوا من جيب السياسة وعلى حساب بؤس الساكنة، يعودون في كل استحقاق انتخابي للترشح من جديد، دون أدنى خجل أو حياء سياسي. سلاحهم في ذلك “ماكينة انتخابية” جهنمية، قوامها علاقات زبونية نسجوا خيوطها لسنوات، هدفها الأول والأخير هو شراء الذمم، وإفساد الوعي، والتعتيم الممنهج على أي نقاش مجتمعي حقيقي حول حصيلتهم الكارثية.
تذكرت وأنا أكتب هذه السطور، نقاشاً قديماً دار بيني وبين صديق صحفي متمرس، حول وضع هذا الإقليم “المحكور”، يومها قال لي بغضب وبلاغة اختصرت كل شيء: “سيكون هناك تنمية وتغيير حقيقي في دكالة، فقط حين يتم القطع مع ظاهرة عبادة الأشخاص!” واليوم، أجد نفسي مقتنعاً أكثر من أي وقت مضى بصحة هذا القول؛ فالتنمية في سيدي بنور لن تبدأ، وقطار التغيير لن ينطلق، إلا إذا كسرنا أصنام النفوذ التقليدي، وقطعنا مع الولاءات العمياء للأعيان، وفعلنا المبدأ الدستوري : ربط المسؤولية بالمحاسبة. دون ذلك، سنظل ندور في نفس الحلقة المفرغة، ويبقى الإقليم رهينة في أيدي من لا يهمهم سوى ملء البطون والجيوب.







