خلف الخطاب الرسمي الذي رافق إطلاق ورش إحداث الشركات الجهوية متعددة الخدمات، تتكشف كواليس انتقال يواجه صعوبات تتجاوز الجوانب التقنية والقانونية، لتلامس توازنات إدارية ومالية وسياسية راكمتها عقود من تدبير قطاع توزيع الماء والكهرباء والتطهير السائل. فبعد نحو ثلاث سنوات على صدور القانون رقم 83.21، لا يزال تنزيل هذا الإصلاح يسير بوتيرة أبطأ مما كان مخططاً له، وسط استمرار التجاذب بين مختلف المتدخلين.
وتكشف مصادر متطابقة في قطاع الماء والكهرباء لـ”نيشان” أن الجدولة الزمنية التي وضعتها وزارة الداخلية لإحداث الشركات الجهوية عبر جهات المملكة عرفت مراجعات متتالية، بعدما اصطدمت عملية نقل الاختصاصات والأصول والموارد البشرية بعراقيل ميدانية لم تكن محسوبة عند إطلاق المشروع. ورغم دخول الشركات الجهوية حيز الوجود في عدد من الجهات، من بينها الدار البيضاء-سطات ومراكش-آسفي وسوس-ماسة، فإن استكمال نقل الصلاحيات والتدبير الفعلي للخدمات ما يزال يواجه إكراهات متعددة.
وبحسب المصادر ذاتها، فإن جزءا مهمًا من هذه الصعوبات يرتبط بموقف عدد من الوكالات المستقلة لتوزيع الماء والكهرباء، التي راكمت على امتداد عقود استقلالية واسعة في التدبير وميزانيات ضخمة، ما جعل عملية إدماجها داخل شركات جهوية موحدة تثير تحفظات داخل بعض دوائرها الإدارية.
وتؤكد المصادر أن هذه التحفظات لا تعكس فقط تعقيدات تقنية مرتبطة بإعادة الهيكلة، وإنما ترتبط أيضاً بإعادة توزيع مراكز القرار وصلاحيات التدبير التي كانت تتمتع بها هذه المؤسسات.
وتضيف المصادر أن هذا الوضع يمتد إلى بعض المجالس الجماعية، حيث ينظر عدد من المنتخبين إلى إحداث الشركات الجهوية باعتباره تحولاً سيحد من هامش تدخل الجماعات في تدبير قطاع ظل لعقود يشكل إحدى أهم واجهات تدبير الشأن المحلي، سواء على مستوى البرمجة أو الاستثمار أو تتبع المشاريع، وهو ما أفرز، وفق المصادر نفسها، مقاومة غير معلنة لتسريع وتيرة الانتقال نحو النموذج الجديد.
وفي موازاة ذلك، يبرز المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب باعتباره أحد أبرز حلقات هذا الانتقال المعقد. فبحسب مصادر نقابية تحدثت لـ”نيشان”، ما تزال المفاوضات المرتبطة بنقل جزء من الأصول والتجهيزات والشبكات إلى الشركات الجهوية تواجه صعوبات تقنية ومالية، في ظل تداخل الممتلكات وتراكم الالتزامات المالية، فضلاً عن الحاجة إلى تدقيق قواعد البيانات المتعلقة بالشبكات والتجهيزات قبل استكمال عملية النقل.
وتشير المصادر إلى أن أحد أكثر الملفات حساسية يتعلق بكيفية تدبير الالتزامات المالية والديون المرتبطة بقطاع التوزيع، إضافة إلى آليات نقل الاستثمارات السابقة إلى الشركات الجديدة، وهي ملفات لم تحسم بشكل نهائي بعد، ما ينعكس على وتيرة تنزيل المشروع في عدد من الجهات.
وعلى المستوى الاجتماعي، لا تزال المركزيات النقابية تتابع مسار الإصلاح بحذر، رغم الاتفاقات التي تم توقيعها مع وزارة الداخلية بشأن الحفاظ على الوضعية الإدارية والمالية للمستخدمين. وتؤكد مصادر نقابية أن المخاوف لا تزال قائمة داخل أوساط العاملين، خصوصاً فيما يتعلق بمستقبل الأنظمة الاجتماعية والتقاعدية، وكيفية تدبير الموارد البشرية داخل الشركات الجديدة بعد استكمال عملية الإدماج.
وترى المصادر أن هذه الهواجس تفسر استمرار المطالبة بضمانات إضافية قبل استكمال مختلف مراحل الانتقال، رغم التأكيدات الحكومية المتكررة بأن الإصلاح لن يمس الحقوق المكتسبة للمستخدمين، وأن الهدف منه يتمثل في توحيد تدبير خدمات الماء والكهرباء والتطهير السائل وتحسين جودة الخدمات على المستوى الجهوي.
ويعكس التعثر الذي يطبع تنزيل هذا الورش، وفق مصادرنا، حجم التعقيدات التي ترافق إعادة هيكلة أحد أكثر المرافق العمومية حساسية، حيث تتقاطع الاعتبارات المالية والإدارية مع رهانات السلطة المحلية وتوازنات المؤسسات القائمة منذ عقود.
وبينما تؤكد وزارة الداخلية تمسكها باستكمال المشروع، تشير المعطيات الميدانية إلى أن الانتقال نحو الشركات الجهوية لن يكون بالسرعة التي كانت تراهن عليها السلطات عند إطلاق هذا الإصلاح، في ظل استمرار المفاوضات حول عدد من الملفات العالقة.







