كما وعدناكم، نعود في هذا العمود إلى “معرض الخرائط القديمة” في قصر البديع بمراكش، الذي تتعرض فيه اللغة العربية إلى سوء المعاملة، أمام أنظار مئات الزوار كل يوم، لعل هذه الصرخة تصل إلى من يعنيهم الأمر، ويعاد الاعتبار إلى لغة الضاد في بيت أحمد المنصور الذهبي، الذي لو رجع إلى الحياة لشنّ “معركة وادي المخازن” ضد الركاكة في قصره العظيم!
المعرض المقام في إحدى قاعات القصر، يضم خرائط مراكش القديمة كما وضعتها بعض البعثات الاستعمارية في نهاية القرن التاسع عشر، على يد عدد من المستشرقين والمستكشفين والكتاب مثل أدولف مارسي ونيستور لاراس وروني دوروكفير وجول إركمان… وغيرهم ممن جاؤوا إلى المغرب في مهمات استطلاعية، تمهيدا للاستعمار، دون أن يخطر على بالهم أنه سيأتي يوم ينتقم فيه المغاربة من أسمائهم ومن خرائطهم على هذا النحو الشنيع… يمهل ولا يهمل!
خرائط وتصاميم نادرة، تظهر مدينة “سبعة رجال” كما كانت قبل الحقبة الاستعمارية، مع شروحات بالفرنسية والعربية، تضع الوثائق في سياقها التاريخي، وتُعرّف بمن وضعوها.
وإذا كانت النصوص بالفرنسية سلسلة وواضحة، دون لبس أو غموض، فإن التعليقات بالعربية تجعلك تنتف شعرك، إذا لم تكن مثلي أصلع: جريمة لغوية كاملة الأركان!
يبدو أنهم ترجموا الشروحات الفرنسية اعتمادا على “غوغل ترانسلايت” أو على مرشد سياحي مزيف، عثروا عليه يتربص بالسياح في جامع لفنا…أخطاء إملائية ونحوية وتعبيرية، لا يرتكبها حتى تلميذ في الابتدائي، ما يعكس الصورة التحقيرية التي مازال البعض ينظر بها إلى اللغة العربية!
غالبا ما تحمل الشروحات بالفرنسية عنوانا هو Description
يصر المترجم أو “المطرجم” أن يضع مقابلها كلمة “تحلية” بدل “وصف” أو “توصيف”، مما يجعلك تفقد الرغبة في القراءة قبل أن تبدأ. وإذاكنت مازوشيا وأكملت إلى الآخر، ستصاب بمغص في المعدة وسيطلع لك “الطونسيون” والكوليستيرول، والسكري طبعا من فرط “التحلية”.
إليكم بعض النماذج كما جاءت بالفرنسية ومقابلها بالعربية. لنبدأ بالنص الفرنسي:
“Description:
Plan établi par Erckman, capitaine d’artillerie, ancien chef de la mission militaire française au Maroc de 1877 à 1883 »
النص سهل يمكن أن ينقله للعربية أي شخص يملك حدا أدنى من الإلمام باللغتين. هكذا يمكن أن نترجمه ببساطة:
(وصف:
تصميم وضعه إركمان، قبطان في سلاح المدفعية ورئيس البعثة الفرنسية في المغرب من 1877 إلى 1883)
رغم كل هاته السهولة، استطاع “المطرجم” أن يبدع في الركاكة، ويكتب هذا النص “المدهش”:
(تحلية:
تصميم إركمان قبطان حرب بالجهاز الحربي- رئيس بعثة فرنسية عسكرية بالمغرب من ١٨٧٥ إلى ١٨٨٣)
“قبطان حرب بالجهاز الحربي”. رقاصة وترقص… يا له من إنجاز عظيم. من الصعب ان تحقق كل هذه الركاكة بمجموعة صغيرة من الكلمات!
هذا نص آخر لا يقلّ “إدهاشا”:
(تحلية:
في فصل الربيع لسنة ١٨٨٢ سنحت لي فرصة جولة في المغرب امتدت بي صحبة بعثة فرنسية إلى إحدى كبريات عواصم المغرب دون غيرها من حيث معرفة الناس بها وابعدهن (كذا) موقعا داخل التراب المغربي)
وهذه نماذج أخرى:





هناك من سيتحجج بأن اللغة الفرنسية سليمة، وذلك هو المهم، لأن معظم الزوار فرنسيون.
بالإضافة الى أن لا شيء يبرر الاستهتار باللغة الرسمية للبلاد داخل معلمة تاريخية، ليس صحيحا أن الفرنسيين يهيمنون على السياحة في مراكش، هناك “توريست” من كل الجنسيات، كما أن هناك عددا متزايدا من المغاربة يرتادون المعالم الأثرية في إطار السياحة الداخلية، وكثير من الأشقاء العرب يزورون المدينة ومآثرها، من الخليج والمشرق، وقد صادفت بعضهم في القصر يقرأون “الطرجمة” ويضحكون. ولو عرف جمال الدبوز ذلك لفَقَدَ صوابه، لأن “معرض الخرائط” تفوّق في السخرية على كل عروض مهرجانه “مراكش للضحك” الذي يقام فينفس القصر!
الفساد ملة واحدة. قبل أيام، كشف المجلس الأعلى للحسابات عن صفقات مشبوهة داخل بعض الأحزاب، مرتبطة بميزانية “الدراسات” التي تمنحها الدولة للهيئات السياسية، كي تنجز بحوثا تغني المشهد السياسي بالأفكار والمشاريع. حزب “الاتحاد الاشتراكي” لم يتورع عن تحويل المبلغ بكامله الى شركة استحدثت على عجل، من طرف ابن الأمين العام للحزب مع قيادي في المكتب السياسي ونجلة عضو آخر في نفس المكتب. المقربون أولى. المشكلة ليست فقط في تضارب المصالح بل في كون مجمل الدراسات المنجزة ضعيفة، حسب المجلس، مجرد” عروض تفتقد للمنهجية العلمية، ومستقاة من مصادر متوفرة للعموم”!
نفس المنطق الفاسد الذي يعبّد الطريق إلى الفضائح.
لا نعرف من ترجم النصوص المصاحبة لخرائط قصر البديع، وكم تقاضى مقابل ذلك، وهل هناك تضارب مصالح في القضية، لكن المؤشرات تدل على أن “ثمة شيء فاسد في مملكة الدنمارك”. كما لا نملك أدلة على وجود فساد مالي، لكن الترجمة فاسدة على كل حال، ويجدر بوازرة الثقافة ان تتدخل بشكل مستعجل لتوقف المهزلة، وتسحب النصوص التي تسيء الى اللغة الرسمية للبلاد، كي تصححها، وتفتح تحقيقا حول من تسبب في هذه الفضيحة داخل قصر أحد أعظم السلاطين في تاريخ المملكة المغربية.
لا شيء على الإطلاق يبرر الاعتناء بلغة المستعمر والتنكيل باللغة الرسمية!







