لو أجرينا دراسة سوسيولوجية معمّقة حول تطور المجتمع المغربي في السنوات الأخيرة، لاكتشفنا أننا عشنا والحمد لله حتى شفنا “جيل قيمّش ما يحشم ما يرمّش”، الذي طالما سمعنا عنه ونحن صغار!
هناك تحول خطير في قيم المغاربة، نشاهده كل يوم، رغم أنه من الصعب الجزم في أي اتجاه، إلى الأحسن أم إلى الأسوأ، لكن المؤكد أن مجموعة من الضوابط والأعراف التي كانت تتحكم في سلوك أجيال متعاقبة، في البيت والفضاء العام، انهارت وتتعرض للانتهاك والبهدلة، والسخرية أحيانًا. ومن المؤكد أيضا أننا لا نأخذ من الحداثة إلا قشورها.
عندما كنا صغارا، بمجرد ما كنا نلتقي شخصا أكبر سنا، حتى لو كنا لا نعرفه، نحييه باحترام ونناديه “عمي” أو “خالتي”. اليوم “تقادّو لكتاف”، من النادر أن تجد شابا يقوم من مقعده في “الترام” أو “الطوبيس” كي يترك مكانه لشخص في عمر جده، ليس فقط لنقص في التربية، بل لأنهم مشغولون بهواتفهم، لا يبالون بما يدور حولهم، جيل “مرفوع”، لا نعرف متى سينزل!
يكفي أن تقوم بجولة سريعة على وسائل التواصل الاجتماعي كي تكتشف حجم “الدمار” الذي يتعرض له الرأسمال الرمزي للمغاربة من حشمة وحياء ووقار وتسامح، وكيف تتفكّك الأسر، وتُنتهك حرمات البيوت وأسرارها، ويتم التطبيع مع كل الظواهر الشاذة، والمعجم السوقي، وتُنشر الأعراض والعاهات، وتُشتم الأمهات والجدات والطاسيلة والعائلة وصحون المطبخ… أمام الصغار والكبار، دون أن يستطيع أحد إيقاف المهزلة. لا الأسرة ولا السلطة ولا المعلم ولا المثقف ولا السياسي. منظومة كاملة من القيم تنقرض أمام أعيننا، دون بديل جدّي، ما عدا الوقاحة والتفاهة والضحالة والعدوانية وما يدور في فلكها…
فيديوهات ولايفات وقنوات يشتم فيها الابن أمه وأباه وأسرته فقط من أجل “البوز”، ويردون له التحية بأحسن منها، فيما الآلاف يتفرجون ويضحكون، وبعضهم يحذو حذوهم!
مثل هاته الانحرافات كانت موجودة في “العالم القديم” لكنها لم تكن رائجة، وكنا نطلق على أصحابها “مساخيط الوالدين”. لن أنسى ذلك المكناسي الذي “تقرقب” وقلب حي “سيدي بابا” محيّحا على والدته، وعندما لامته مستنكرة: “- ياك آولدي هادي هي ميمتك اللي ربّاتك وكبراتك!” أجابها: “- المشّا وكتكبّر ولادها، داك نص إيترو ديال الحليب اللي خسرتي عليّا دوزي خوديه فالحانوت على حسابي”… مسخوط الوالدين. لندرة مثل هاته الحوادث كانت مضحكة، لكنها اليوم أصبحت تدعو للبكاء من كثرة الانتشار.
صحيح أن الظاهرة كونية، المغرب ليس استثناء، بل مجرد شارع صغير في هذه القرية البليدة التي تنبأ بها الجدّ ماكلوهان، وصحيح أن “التفاهة لا تقتل”، كما يقول الفرنسيون، وإلا كنا نتعثر بين الجثث، لكنها تأخذ منحى خطيرا حين تكون مؤسسات التنشئة مصابة بالإفلاس، من المدرسة الى الحزب مرورًا بالتلفزيون والجريدة والجمعية، مما ترك فراغًا مهولًا، ملأته تفاهات العالم الرقمي.
كان يمكن للمدرسة أن ترتب الأشياء في رؤوس الصغار، وتعلمهم كيف يتعاملون مع هذه الوسائط، دون أن تؤثر على سلوكهم، لكن « كون كان الخوخ يداوي كون داوا راسو ». الفوضى التي يتخبط فيه التعليم لا يضاهيها خطورة إلا التسيب الذي يعرفه المشهد الإعلامي. الصحافيون المهنيون تراجعوا إلى الخلف، وتركوا المجال لمن يسمون ب”المؤثرين” و”اليوتوبر” و”خوتشي خواتشاتشي المغاربة السلام عليكم”، وأصبح “التشهير” و”المعاطية” أكثر “الأجناس الصحافية” رواجا، أما “التحقيق” الذي كان منتعشا أيام كان الإعلام إعلاما، فأصبح حكرا على النيابة العامة والفرقة الوطنية…
لقد تغير المغاربة وتبدلت قيمهم، لأن التنشئة لم تعد تمر من الأسرة والمدرسة ودار الشباب بل من تيكتوك وانستغرام وفيسبوك ويوتوب، ولأن الجامعة أفلست مثلما أفلست الجمعية والحزب، وبات الفراغ سيد المشهد، يمسك التفاهة من يدها ويعيثان فسادا في الأجيال!
“جيل قيمّش”







