في الوقت الذي كانت “حكومة عزيز أخنوش” تدق ناقوس الخطر بشأن الوضعية المالية لأنظمة التقاعد، محذرة من اقتراب الصندوق المغربي للتقاعد من مرحلة حرجة، خفَتَ الحديث فجأة عن أحد أكثر الملفات الاجتماعية حساسية، ليحل محله توجه غير معلن يقضي بترحيل ورش الإصلاح إلى الولاية التشريعية المقبلة.
وبدا واضحا أن ما جرى لم يكن مجرد تعثر في المفاوضات مع النقابات أو خلاف تقني حول تفاصيل الإصلاح، بقدر ما كان ثمرة حسابات سياسية معقدة، اختلطت فيها رهانات التوازنات المالية بهاجس الحفاظ على السلم الاجتماعي، فيما كانت أعين مكونات الأغلبية تتجه إلى استحقاقات 2026.
وتكشف مصادر مطلعة لـ”نيشان” أن كواليس الجولات الأخيرة من الحوار الاجتماعي شهدت نقاشات ماراطونية بين الحكومة والمركزيات النقابية الأكثر تمثيلية، انتهت إلى ما يشبه “اتفاقا ضمنيًا” على تأجيل الحسم في الملف.
وتؤكد المصادر أن رئيس الحكومة عزيز أخنوش قاد بنفسه جانبا من هذه المشاورات مع قادة النقابات، وفي مقدمتهم الأمين العام للاتحاد المغربي للشغل الميلودي موخاريق، بعدما أدركت دوائر القرار أن المضي في الإصلاح بصيغته الحالية قد يفتح مواجهة اجتماعية واسعة في ظرف سياسي بالغ الحساسية.
وبحسب المصادر ذاتها، فإن وزارة الاقتصاد والمالية، بقيادة نادية فتاح، ظلت تدفع في اتجاه إطلاق الإصلاح استنادا إلى التقارير الرسمية التي تحذر من تدهور التوازنات المالية للصناديق، بينما ارتكز التصور الحكومي على ثلاث ركائز رئيسية ظلت محل رفض نقابي، تتمثل في الرفع التدريجي لسن الإحالة على التقاعد إلى 65 سنة، وزيادة الاقتطاعات، ومراجعة طريقة احتساب المعاشات بما يقلص من قيمتها بالنسبة إلى فئات واسعة من المنخرطين.
غير أن هذا التصور اصطدم، وفق المصادر نفسها، باعتبارات سياسية وانتخابية داخل الأغلبية الحكومية، إذ ساد اقتناع بأن تمرير إصلاح بهذه الكلفة الاجتماعية خلال السنة الأخيرة من الولاية سيكون بمثابة منح المعارضة ورقة سياسية ثمينة، كما قد يفتح الباب أمام موجة احتجاجات واسعة في قطاعات حيوية، على رأسها الوظيفة العمومية والتعليم والصحة، وهو ما دفع إلى تغليب خيار التأجيل على خيار المواجهة.
وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن نادية فتاح واصلت، إلى آخر مراحل النقاش، الدفاع عن ضرورة الشروع في الإصلاح باعتباره السبيل الوحيد لتفادي تفاقم عجز الصناديق، مستندة إلى تقارير الهيئة المكلفة بمراقبة قطاع التأمينات والاحتياط الاجتماعي، غير أن منطق التدبير السياسي طغى في النهاية على المقاربة التقنية، لينتهي الأمر إلى ترحيل الملف إلى الحكومة التي ستفرزها الانتخابات المقبلة.
وتكشف هذه التطورات مفارقة لافتة في طريقة تعاطي الحكومة مع الملفات الخلافية. فالأغلبية التي لم تتردد في تسخير أغلبيتها البرلمانية لتمرير نصوص أثارت احتجاجات واسعة، من بينها القانون التنظيمي للإضراب ومشروع قانون المحاماة، فضلت اعتماد مقاربة أكثر حذرا في ملف التقاعد، بالنظر إلى اتساع قاعدة المعنيين به وما قد يترتب عن أي إصلاح من انعكاسات مباشرة على مئات الآلاف من الموظفين والأجراء والمتقاعدين.
وتفسر مصادرنا هذا التباين بكون الإصلاحات السابقة مست فئات مهنية محددة، بينما يتعلق ملف التقاعد بقاعدة انتخابية واسعة تمتد إلى مختلف القطاعات، وهو ما جعل كلفته السياسية تبدو أعلى بكثير من كلفة تمرير ملفات أخرى، خاصة مع اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية.
وبينما تنجح الحكومة، مؤقتا، في تجنب مواجهة اجتماعية حول أحد أكثر الملفات حساسية، يحذر خبراء في المالية العمومية من أن كلفة التأجيل لن تكون مجانية، إذ تؤكد التقارير الرسمية أن استمرار الوضع الحالي يزيد من الضغوط على أنظمة التقاعد، ويجعل أي إصلاح مستقبلي أكثر تعقيدا وأشد وطأة، بما يضع الحكومة المقبلة أمام خيارات أقل مرونة وأكثر كلفة سياسًيا واجتماعيًا.
قبل اجتماع 9 يوليوز.. إصلاح التقاعد يتجه عمليا إلى الحكومة المقبلة







