رغم أن الوقت لم يكن ليلا، فإن الحماس والإغماءات التي وقعت في معرض الكتاب يوم السبت الفائت، ذكرتني بـ”حمّى سهرة السبت”، فيلم جون بادهام الشهير، الذي كان سببا رئيسيا في انتشار موسيقى “الديسكو” نهاية السبعينيات، مع تسريحة شعر بطل الفيلم جون ترافولتا، طبعا، التي أصبحت موضة شائعة بين الشباب لسنوات طويلة، كما أصبح الشريط الذي يتضمن موسيقى الفيلم وأغانيه من أكثر الشرائط مبيعا في العالم، لا أحد من أفراد ذلك الجيل لم يرقص على “الديسكو”، ولا أحد منهم نجا من “كوپ ترافولتا”، لدرجة أن المغني الجزائري محمد مازوني خلّد ذلك في أغنية شعبية، تعدّ كلماتها من تحف قصيدة النثر العربية:
“خوك ترافولتا/ ساكن بولفار ماجانتا/ يشرب في فانتا/ ويرجى فيك يا بنت الناس… ”
عفوا، ليس قصيدة النثر بل شعر التفعيلة، مع الاعتذار للسيّاب ونارك الملائكة وكل الشعراء الحاضرين في المعرض!
وإذا كان لكلّ جيلٍ “ترافولتا ديالو”، الذي يجعله يعيش “حمى سهرة السبت” مع أصحابه وأقرانه ومن هم في عمره، وسط سخرية واستهجان الأجيال السابقة، فإن “ترافولتا” معرض الكتاب في الرباط اسمه أسامة المسلم، الروائي السعودي الذي جعل عشرات الفتيات والفتيان، يتزاحمون ويتدافعون ويغمى على بعضهم، من أجل الحصول على توقيع منه او صورة معه أو الاثنين معا، “البطولة والكأس”!
لم يكن مفاجئا أن يسخر كثير من الكتاب المغاربة من “حمى سهرة السبت”، لأنهم من “الأجيال السابقة”، كان طبيعيا أن يستهزئوا من الكاتب الذي سقط مثل نيزك على المعرض ومن الشباب الذين سقطوا مغشيا عليهم. بعضهم لم يتردد في جمع النيزك والمغشي عليهم في سلة واحدة، ووصفهم بالسخافة والسطحية والتفاهة، وكل أسماء العصافير، كما يقول الفرنسيون، رغم حرصه على التأكيد أنه لا يعرف الكاتب ولم يقرأ له سطرا… ولا أفهم كيف يمكن أن نطلق أحكاما على كاتب لم يسبق أن تصفحنا له مؤلَّفا واحدا؟ لكن “الموضة” تجد دائما من يقاومها، و”أعداء النجاح” يتربصون في كل رواق، ثم إن معظم الكتاب غيورين بطبعهم، والنرجسية العمياء تقود الى العدوانية المجانية!
كي لا أظلم “ترافولتا” ومعجبيه، استطعت تحميل عدد من روايات المسلّم، وقرأت مقاطع من “خوف” و”بساتين عربستان” و”هذا حدث معي”
en diagonale
ما استرعى انتباهي هو لغتها البسيطة، التي تميل الى الركاكة وليس إلى السهل الممتنع، لكن مواضيعها مثيرة، وعوالمها مدهشة، وشخصياتها محبوكة، وطريقة السرد مشوقة، والحوارات رشيقة، ما يغطي على اللغة الضعيفة، خصوصا انها تحتل الجزء الأكبر في المتن. يكون الأسلوب ثقيلا أثناء الوصف، لكن بمجرد ما تبدأ الحوارات، يرتفع الإيقاع. كأنك تقرأ سيناريو وليس رواية.
عندما شرعت في تصفّح “خوف”، الذي يبدأ بمقدمة من عدة صفحات، تذكرت عبد المجيد بن جلون، الكاتب المغربي الذي أمضى طفولته في مانشستر، ووجد صعوبة في التأقلم مع حياته الجديدة في فاس بعد عودة والديه من الغربة، لدرجة أن أخته ماتت بسبب ذلك، في حين عاش هو ليكتب عنها وعن طفولته البعيدة. المسلم أيضا قضى طفولته في الولايات المتحدة الامريكية، لأن والده كان يدرس هناك، وعندما عاد إلى السعودية مع أخيه الأصغر لم يكن يعرف العربية، ووجد صعوبة في التأقلم. بن جلون كتب “في الطفولة” ومسلم كتب “خوف”… رغم الفرق الكبير بين الكتابين في الأسلوب والعوالم. وأعتقد أن علاقة المسلم باللغة الانجليزية هي ما جعله يعثر على “الوصفة السحرية” للنجاح الجماهيري، على غرار البريطانية جي كي رولينغ، مؤلفة “هاري بوتر”، والسويدي ستيغ لارسن، صاحب سلسلة “ميلينيوم”. ناهيك عن استعماله المكثف لوسائل التواصل الاجتماعي ومختلف المنصات التواصلية في الترويج لأعماله، وربط علاقات خاصة مع القراء. لكن ذلك غير كاف، فكم من كاتب يسكن في وسائل التواصل الاجتماعي، لكنه لا يستطيع ان يقنع حتى زوجته بقراءة ما يكتب!
كما لم يكن “ترافولتا” أهم ممثل في وقته، لا يمكن أن يكون أسامة المسلم أهم روائي عربي اليوم، حتى بين أبناء جيله، ولا حتى في جنس الفنتازيا، يكفي أن تقرأ روايتي رشيد الضعيف الأخيرتين، “الأميرة والخاتم” و”والوجه الآخر للظل” كي تضحك مما يكتبه المسلّم باسم الفنتازيا… لكن الإقبال المدهش الذي حظي به في الرباط، وفي عواصم أخرى، يجعل منه أهم كاتب جماهيري في العالم العربي، والجماهيرية مهمة جدا، لأنها تصالح القارئ مع الكتاب. وذلك في حد ذاته إنجاز يستحق التصفيق.
لذلك لا يسعنا ان نحيي القيمين على المعرض، لانهم باستضافة المسلم، رموا حجرا كبيرا في بركة القراءة، وعلاقة الشباب بالكتاب وباللغة العربية، وجعلوا ما يتم ترديده حول “غياب القارئ” موضع مساءلة. كما نحيي الوزير مهدي بنسعيد، الذي التقط بنباهة ما يحدث، وبادر الى اقتراح لقاءات مع الروائي في مختلف المدن المغربية، كي تتاح للقراء الحصول على توقيع من كاتبهم المفضل والتحاور معه، وتعويضهم عن إلغاء لقاء المعرض، وذلك من صميم عمل وزارة الشباب والثقافة.
أما الجمهور، الذي وصفه البعض بالتفاهة، عندما تنصت إليه -وقد أعطتهم الكلمة بعض المواقع-تكتشف أن الامر يتعلق بشباب لا يقل ذكاء عمن يعتبرون انفسهم قراء فوق العادة، بل إن بعضهم كان يقرأ بلغات أجنبية فقط، ويؤكد أن صاحب “خوف” صالحهم مع العربية… وما جدوى الرواية، في النهاية، إن لم تجد قارئها ولم تحفزه على التفكير وتمنحه المتعة والفائدة؟
يعلّمنا تاريخ الأدب أن التوفّر على قراء ليس شرطا كي تكون كاتبا كبيرا يخلّد اسمه، لكن معظم “الكبار” يمرون من الشوارع الخلفية لعصرهم، ويحتاجون إلى موت مزدوج كي يحظوا بالاعتراف، موتهم الشخصي وموت العصر الذي عاشوا فيه. ولا يمكن أن يكون عشرة آلاف شخص كلهم كتّاب عباقرة، لن نعرف قيمتهم إلا بعد موتهم!
أخشى أن يكون المسلِّم سلّم شهادة وفاة لجيش كامل من الكتاب، يعيشون على وهم أنهم مبدعون لا يشق لهم غبار، رغم أن لا أحد يقرأ لهم خارج دائرة الاصدقاء والمجاملين، وتجدهم حانقين على الوضع، يشتمون القرّاء والناشرين والجرائد والنقاد ووزارة الثقافة… لأنهم لا يهتمون بـ”مؤلفاتهم العظيمة”. الجميع على خطإ وهم وحدهم على صواب. لا يتوقفون عن الشكوى والتنديد بغياب الاعتراف، رغم أن الاعتراف الوحيد الممكن، ينبغي أن يصدر عنهم: لقد جربوا الكتابة ولم ينجحوا…وهم فقط “ينشطون البطولة”، ويشكّلون جزءً من الرداءة التي تميز العصر. آن الأوان أن يتواضعوا قليلا، ويكفوا عن نرجسيتهم التي تبيد كثيرا من الأشجار، دون فائدة!
“حمّى سهرة السبت”







