بعد حوالي عامين من فوزها بجائزة نوبل للآداب، لا تزال آني إرنو كما هي: ظلاً وحيدًا في منزل بحديقة في سيرجي، مدينة بلا تاريخ، بُنيت في السبعينيات لتخفيف الكثافة الحضرية عن العاصمة باريس.من بعيد، تُرى العاصمة من نافذتها، في خلفية منظر رائع للأخضر المتخلل بنهر “أويز”. ينام قطاها الاثنان في القيلولة. في المدخل يوجد ملصق لأحد أفلامها المفضلة: “بعيدًا عن صخب العالم”. يبدو عنوان الفيلم مناسبا للمكان.
ستبلغ من العمر 84 عامًا هذا الصيف. كيف تشعر حيال ذلك؟
“ليس جيدًا جدًا”، تستسلم. يؤلمها وركها بسبب تشوه خلقي تفاقم بسبب العمر، وتخشى السقوط. تكتب كتابًا جديدًا لا تقدم بشأنه تفسيرات..
في منتصف يونيو، ستزور إرنو برشلونة ومدريد، حيث ستشارك في حدث مع القراء وستقدم فيلم “سنوات سوبر 8″، الذي تم نقله من تسجيلاتها العائلية.
كما نشرت مؤخرًا “ما يقولونه أو لا شيء” (كاباريه فولتير)، إحدى رواياتها الأولى، والترجمة الكاتالونية لـ “المكان” (أنجل)، الكتاب الذي كتبت فيه عن وفاة والدها والذي حققت شهرة بسببه في منتصف الثمانينيات.
كانت رحلتها الأولى إلى إسبانيا في الخمسينيات: عبرت السهل الحدودي في سيارة سيتروين صغيرة. ماذا تتذكر؟
كان بلدًا غارقًا في الديكتاتورية. في شرفة مقهى في “إل إسكوريال”، حاول شاب إسباني مغازلتي. فجأة أدركت أنه كان جمهوريا حتى النخاع. كان ذلك مرعبًا.
أتخيل أنك رفضته؟
نعم، بالطبع. كان ذلك مستحيلًا بالنسبة لي، فقد كنت بالفعل ذات ميولات يسارية. اليمينيون لا يروقون لي… لم أستطع أن أرافق يوما شخصا يمينيا…
هل لم يكن لديك أبدًا شريك يميني؟
أوشك ذلك من الحدوث مرة، لكنه لم يستمر طويلًا. إنه شيء يفوق قدراتي. لا ننظر إلى الأمور بنفس الطريقة، سواء إزاءالأشخاص، أو إزاء العالم.
ماذا غيّر نوبل؟
حولتني الجائزة إلى شخصية عامة. قبل ذلك كنت مجرد كاتبة. الآن أنا أيقونة، رمز، كل هذه الكلمات الفخمة التي لا تعني لي شيئًا. شعرت كما لو أنني تلك العذراء، نوتردام دي بولون، التي تم استعراضها في الأبرشيات في جميع أنحاء فرنسا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية.
لا يبدو أنها تجعلك سعيدة جدًا!
لا، لا تجعلني سعيدة على الإطلاق. ما يسعدني هو رؤية هؤلاء القراء الشباب الذين يعرفونني من الترجمات التي تمت بفضل نوبل. لكن الجزء الرسمي بأكمله كان ثقيلًا علي. لقد سرق مني وقتًا كان يمكنني أن أكتب فيه.
صباح يوم الاتصال للإعلان عن الجائزة، فضلت عدم الرد على الهاتف…؟
في العام السابق، قاموا بمزحة ثقيلة علي، قالوا إنني فزت وكان ذلك كذبًا. لم أكن سأسمح بأن يتم خداعي مرة ثانية. تركت الهاتف يرن وانتظرت حتى أعلنوا عنه في الراديو. في تلك الأثناء، بدأت في تفريغ غسالة الصحون…
هل تندمين على الفوز بالجائزة؟
لا. في الحقيقة، أنا لا أندم على شيء أبدًا. بلا شك، إنه رد فعل على تربيتي الكاثوليكية.
عند فوزي بجائزة فورمينتور في عام 2019، قلت إنك تشعرين بنوع من ،”الاحتيال”.
هناك تناقض بين طريقتي في العمل والاعتراف بهذه الجوائز الأدبية. يبدو لي غير متناسب، لكن ربما بالغت عند الحديث عن الاحتيال…
قلت أيضًا أنك تشعرين “بعدم الجدارة” لأي جائزة.
نعم، بسبب أصلي الاجتماعي. لكن عند الفوز بنوبل شعرت بضرورة الحديث عن تلك الأصول، على عكس ما حدث مع الجوائز الأخرى. شعرت بواجبي في تمثيل أولئك الذين أشاركهم هذا الأصل الاجتماعي.
في جيلين فقط، انتقلت عائلتك من كونها قروية وأمية إلى الفوز بجائزة نوبل.
هذا يجب أن يكون هو الطبيعي. غير الطبيعي هو أن يكون تقريبًا كل الحائزين على الجوائز من سلالة مثقفة. جدي لم يكن يعرف القراءة ووالدي لم يسمع قط عن نوبل. علمت بالجائزة عندما كان عمري 17 عامًا، عندما فاز بها كامو. ما زلت أتذكر خطابه في قبول الجائزة: “من اختار مصيره كفنان لأنه شعر بالاختلاف يتعلم بسرعة أنه لن يغذي فنه واختلافه إلا بالاعتراف بتشابهه مع الجميع”.
بالنسبة لك، كانت تلك الأصول سببًا للشعور بالخجل؟
نعم، بالطبع. في البداية كان هناك هذا الشعور بالخجل، لأن والديّ لم يكونا من البرجوازيين الباريسيين بل كانا بقالين في قرية متواضعة في نورماندي. كل العمل كان تحويل ذلك الخجل إلى شيء مفيد، لاستخدامه للتفكير في العالم بطريقة مختلفة.
أي أنك حولت الخجل إلى فخر؟
شيء من هذا القبيل. عندما كنت صغيرة وحصلت على درجات جيدة، كانت الراهبات اللواتي قمن بتعليمي، اللواتي كنت أكرههن بشدة، يقلن لي: “آمل أن تشكري الله”. لم أفهم لماذا يجب أن أشكره وليس باقي الفتيات. استغرقني سنوات لأفهم أنهن يقلن ذلك لأنني كنت فقيرة. لا يزال يحدث لي: نحن الذين نُدعى “الهاربين من الطبقة” من قِبَل علم الاجتماع، يُنتقدون دائمًا على نقص الامتنان.
صحيح، ينتقدونك لأنك غير ممتنة وكثيرة الشكوى؟
يمكنهم أن يقولوا عني ما يريدون باستثناء الشكوى. كتبي تعبر عن الواقع، والواقع عنيف. لا شيء أكثر من ذلك.
يبدأ كتابك “المكان” باقتباس من جان جينيه: “الكتابة هي الملاذ الأخير عندما تخون”. من خنتِ؟
طبقتي الاجتماعية. إنه شعور تضاءل، أو بالأحرى تحول إلى شعور بالظلم. لماذا أنا وليس والديّ؟ لماذا أنا وليس بنات عمي؟ لماذا أمتلك هذا المنظر الجميل أمام عينيّ ولا يملكونه؟ لماذا هم يرتدون ملابس سيئة وأنا لا؟
في عمر العشرين، كتبتِ في يومياتك عبارة من رامبو: “أنا من العرق الأدنى إلى الأبد”.
نعم. وقد وضعت مقابلها واحدة من تأليفي: “سأنتقم لعرقي”. هذه العبارة التي تذكرتها عندما حصلت على نوبل.
هل نجحتِ؟
لقد فعلت كل ما في وسعي. بالوسائل التي أملكها، لدي واجب توعية الناس بالظلم الأساسي. النجاح لم يؤثر علي، كنت سأعيش بشكل جيد دون نوبل. في الواقع، المجد والاحتفال يؤلماني.
كثير من الناس اليساريين من جيلك أصبحوا محافظين مع العمر. كيف تجنبتِ ذلك؟
لم يكن صعبًا. هؤلاء الناس الذين تشير إليهم كانوا في الغالب برجوازيين، حتى وإن لم يكونوا واعين بذلك. كانوا متصلين بدوائر فكرية لم أتواصل معها. كنت مجرد معلمة في الضواحي. لم أبتعد أبدًا عن قناعاتي الأولية.
لدي انطباع أن الأمر أيضًا مسألة أخلاق؟
نعم. ألا تعتقد أن الأخلاق تأتي من علم الاجتماع الخاص بك؟ أي أن لكل فرد أخلاق طبقته الاجتماعية. أخلاقي تقف بين عالمين، لكنها تميل عادة إلى أخلاقيات والديّ: عدم استغلال شخص، وعدم البحث أبدًا عن المجد. أبدًا.
والتقشف والاستقامة الأخلاقية؟
نعم، هذا يأتي من والدتي. كانت شخصًا حريصة على الأخلاق. لم تكن كاثوليكية بالاسم فقط، بل كانت تعتنق الكاثوليكية الحقيقية. تلك الاستقامة التي ذكرتها تعني لي الكثير.
تعليمك الديني كان له وجهان: أعطاك صلابة أخلاقية كبيرة، لكنه عرقل تحررك الجنسي؟
نعم، العيب في ذلك النموذج يكمن في الجنس. وليس ذلك شيئًا صغيرًا: إنها قوة حياة تُبتر، خاصة بالنسبة للنساء. كان يجب علينا أن نكون عذراوات حتى الزواج، دون أن نعرف أبدًا المتعة. لكن لا يمكن إعادة الماضي، يجب أن أعيش مع ما أحمله…
هذا لم يمنعك من التحرر؟
لا، لكنه استغرق وقتًا طويلًا، وبسعر مرتفع نوعًا ما. لسنوات عديدة، شعرت أنني لا أملك هوية، أنني لا أنتمي لأي مكان، لا اجتماعيًا، ولا شخصيًا ولا جنسيًا.
أترى أن الشباب يفهمونك أفضل من القراء من جيلك؟
بشكل عام، نعم. خاصة الفتيات، النساء الشابات. إحدى المرات الأولى التي شعرت فيها بأنني مفهومة كانت عندما عرض لوران كانتت، الذي توفي مؤخرًا، فيلمه الأول “الموارد البشرية”. كتب هذا الحوار وهو يفكر في والديه: “أشعر بالخجل من الشعور بالخجل”. استعارها من “الخزائن الفارغة”. تم عرض فيلمه في عام 1999، بعد 25 عامًا من نشر الكتاب.
عندما فزت بجائزة نوبل، خصصت لك صحيفة لو فيغارو مقالًا عنيفًا للغاية. “نأمل أن تستخدم شيكها بشكل جيد”، هل ما زلت تشعرين بالغضب تجاههم؟
لقد واجهت الكثير من الرفض، من اليمين وكذلك من اليسار، وما زالوا كذلك. هل تعرف من هو ذلك الرجل اليميني، الفيلسوف باسكال بروكنر؟ يومًا ما أشعلت الراديو وسمعته يقول: “آني إرنو تشتكي طوال اليوم رغم أنها مليارديرة”. بصرف النظر عن كون كلامه افتراء، أجده عنفًا شديدًا. أن يكون هناك مئات الأشخاص الذين يملكون ثروات ضخمة ورثوها من عائلاتهم ليس مشكلة لأحد، لكن أن أكسب المال وانا انحدر من عائلة معدمة…، هذا غير مقبول!
شيء آخر يزعجك هو ربطك بالسيرة الذاتية التخيلية. لماذا؟
لأنني لا أتحدث عن نفسي. أنطلق من حياتي، ولكن ليس بأي حال من الأحوال الحديث عن نفسي فقط.
هل هناك في كتبك تطلع إلى العالمية؟
نعم، الفكرة هي الانطلاق من ما حدث لك للبحث في ذلك عن نوع من الإطار العالمي. مع حفظ الفوارق، هذا ما كان يطمح إليه بروست…
الفرق هو أنك امرأة. حتى وقت ليس ببعيد، كان هذا الطموح الذي تصفينه حصريًا للرجال؟
بالضبط، وهذا يمثل تغييرًا كبيرًا. نعم، ربما كنت واحدة من أوائل الكاتبات اللائي لديهن هذا الطموح. وأعتقد أنني لن أكون الأخيرة…
لقد تلقيت اتهامات بمعاداة السامية بسبب موقفك من الصراع بين إسرائيل وفلسطين. ما ردك؟
كل من لا يوافق على موقف إسرائيل يُتهم بمعاداة السامية. يتم الخلط بين اليهود وإسرائيل، وهما ليسا نفس الشيء. قلت إن حماس ارتكبت أعمالاً مؤسفة ولا يمكن إصلاحها، ولكن نية نتنياهو هي الاستيلاء على غزة. يتم البحث عن جميع التعبيرات الملطفة الممكنة، لكن هذه هي الحقيقة. فقط حركات الطلاب هي التي تحافظ على شرف فرنسا. كل هذا بتشجيع من ماكرون، زعيم لم يعش الحرب. أنا عشتها. الحرب هي القنابل والجوع. حتى نهاية حياتها، كانت والدتي تحمل في جيبها مظاريف سكر، وهذا يقول الكثير عن الحرمان الذي عانى منه ذلك الجيل. أنا سلمية بشكل لا يقبل المساومة.
في كتاب “ذاكرة فتاة” كتبتِ: “الحياة التي أمامي تقصر. سيكون هناك بالضرورة كتاب أخير”.
نعم، أكتب كل كتاب منذ سنوات وكأنه الأخير. كلما مر الوقت، أصبحت هذه الحقيقة أكثر احتمالاً. قبل بضعة أشهر، توفيت لويز غلوك. واليوم الآخر، أليس مونرو. كلتاهما فازتا بنوبل. أقول لنفسي ربما أكون التالية.
كيف تتعاملين مع هذه الإمكانية؟
لا يمكن للمرء أن يفعل الكثير حيال ذلك. بالنسبة لي، لا الشيخوخة ولا الموت هي سببان للقلق. ما لا يعجبني في التقدم في السن ليس التجاعيد، بل فقدان القوة. لم يعد الجسم يقاوم. لكنني اعتدت على حقيقة “أنني قد عشت”، وأنه لم يعد يحدث لي أشياء مثيرة كما كان من قبل، أن أتوقف عن توقع المفاجآت من الحياة. هذا يسهل هذه الانتقال نحو العدم.
(ترجمة بتصرف من “إلباييس” التي أجرت الحوار)







