من يعرف تاريخ فرنسا جيدا، يدرك هول ما ينتظر بلاد “السترات الصفراء”، ابتداء من الأسبوع المقبل، إذا ما تأكد فوز اليمين المتطرّف بالانتخابات التشريعية، وتسلموا الحكم كي ينفذوا أخطر برنامج سياسي في تاريخ الجمهورية الخامسة: زرع الفتنة بين مكونات الشعب، وتحويل المشروع السياسي الذي يسمى “فرنسا” الى بناء إثني، يرفض الأجنبي ويغلق الحدود في وجه الآخر، ويجعل من المهاجر “كبش فداء”، ومن “المسلم” سببا لكل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، كما فعل أسلافهم في الأربعينيات مع “اليهودي”، بعدما سلموا مفاتيح الجمهورية إلى هتلر، وارتموا في أحضان النازية، ولم يتورعوا عن إرسال ملايين الفرنسيين إلى المحرقة، فقط لأنّ ديانتهم يهودية!
هؤلاء أحفاد أولئك. حكومة جوردان بارديلا، ذا ما رأت النور، ستكون الحفيدة الشرعية لحكومة فيشي، وتغلق قوس الديغولية الذي استمر ثمانين عاما. وذكّر إن الذكرى تنفع المؤمنين، والكفار أيضا. عندما ثار شارل دوغول عام 1940 على الماريشال بيتان، وهرب الى لندن، انقسمت الجمهورية الى معسكرين: “فرنسا الفاشية”، بزعامة بيتان، التي قبلت التعاون مع المحتلّ الألماني، و”فرنسا الحرة”، بزعامة دوغول، التي حملت السلاح لتحرير الأرض من الاستعمار. انتصر معسكر المقاومة في النهاية، وشيّد فرنسا التي نعرف اليوم، على أنقاض الفاشية. هكذا جددت الجمهورية صلتها بثورة 1789، وأعادت الاعتبار إلى الإعلان العالمي لحقوق الانسان، ولثالوث الحرية والإخاء والمساواة، ومنحت الاستقلال لمستعمراتها القديمة، ووقفت مع حرية الشعوب، ومعظم القضايا العادلة عبر العالم… وبقيت وفية لمبادئ الجمهورية، سواء حكمها اليمين أو اليسار، على امتداد ثمانية عقود.
إذا وصل اليمين المتطرف غدا إلى الحكم، سيسلّم شهادة الوفاة للرسمية ل”فرنسا الحرة” (1945-2024).
لكلّ أجل كتاب. حزب “التجمع الوطني” بزعامة مارين لوبن، هو وريث “الجبهة الوطنية”، التي أسسها والدها جان ماري لوبن مع بيار بوسكي، العضو السابق في “الفافن إس إس”، الجناح العسكري للحزب الناري، وعناصر من “منظمة الجيش السري” الإرهابية، التي حملت السلاح دفاعا عن “الجزائر الفرنسية”. صحيح أن البنت بذلت جهدا كبيرا كي تحسّن صورة الحزب العائلي، وتطمس جذوره الفاشية، لكن الطبع يغلب التطبع، ويكفي أن تتصفح برنامج “التجمع الوطني” كي تلمح وراء ابتسامة جوردان بارديلا، تكشيرة جان ماري لوبن المخيفة، وتعرف أن السم مدسوس في العسل: الحزب ينوي إقرار مبدأ “الأفضلية الوطنية” في الدستور، وترك المهاجرين يموتون على أعتاب المستشفيات إذا لم تكن معهم أوراق إقامة، وحرمان من ولدوا على التراب الفرنسي من الجنسية، ومنع الفرنسيين الذين يحملون جنسية بلد آخر من الولوج إلى عدد من المناصب من بينها الوظيفة العمومية… وعدد آخر من التدابير التي تصنف الفرنسيين إلى مواطنين من الدرجة الأولى ومواطنين من الدرجة الثانية، وتجعل من “المهاجرين” أصل كل مشاكل البلاد!
عندما تحدث الرئيس إيمانويل ماكرون عن الخوف من نشوب “حرب أهلية” في حال وصول “التجمع الوطني” إلى الحكم، كان يردد كلاما انتخابيا، لدفع الناس إلى التصويت على الأغلبية الرئاسية، لكن تاريخ فرنسا يعلمنا أن “الحرب الاهلية” ليست مستبعدة تماما، بالنظر إلى الاستقطاب الحاد داخل المجتمع، بين إيديولوجية عنصرية تزرع التفرقة، وأخرى عازمة على الدفاع عن الجمهورية ومبادئها، بالمتاريس والدماء…
التغيرات الكبرى في فرنسا، منذ ثورة 1789، انتهت بمواجهات عنيفة في الشارع، خلفت بركا من الدماء، من متاريس 1830 إلى تظاهرات السترات الصفراء، مرورا بانتفاضة 1848، وكومونة باريس، والمواجهة بين فيشي وفرنسا الحرة، وماي 1968…
مزاج الجمهورية ثوري. فرنسا الحديثة تأسست على فلسفة الأنوار، وعندما قطعت رأس الملك، رفعت شعارات مستلهمة من كتابات روسو وفولتير وأصبحت بلاد الحرية والمساواة والاخاء. التدافع استمر طوال القرن التاسع عشر، حيث عادت الملكية مرتين، وخطف السلطة امبراطوران، نابليون بونابارت وابن أخيه، نابليون الثالث. وكل مرة كان يخرج الثوار إلى الشارع ويرفعون المتاريس ويسقط آلاف الضحايا ثم تعود الجمهورية إلى الشعب…
ماكرون شخص ذكي، لكنه متعالٍ وأناني، ولا يقبل الهزيمة. يريد أن يكون الأول دائما. لم يتحمّل أن “يهينه” الفرنسيون في الانتخابات الأوربية، حين احتل حزبه الصف الثالث بما لا يزيد عن 15% من الأصوات، لذلك حل البرلمان بسرعة قياسية كي لا يشمت فيه أحد، وكي لا يجد الفائزون وقتا للاحتفال. أدرك أنه لو بقي مكتوف اليدين في قصره، خلال السنوات الثلاث الباقية من الولاية، سيتعرض لمزيد من الإهانات، وسيتجرأ عليه الجميع، بمن فيهم أغلبيته وأقرب المقربين، الطامعين في خلافته، لذلك زلزل المشهد السياسي. عليّ وعلى أعدائي. وحتى إذا تقاسم السلطة غدا مع “التجمع الوطني”، في إطار “حكومة تعايش”، سوف تتحسن صورته لدى الفرنسيين، لأنه سيستعمل سلطاته كي يقف أمام قراراتهم التي تخيف شرائح واسعة من المواطنين. يفضل أن يضع البلد كله في خطر كي يلبس قبعة المنقذ، ويمحو صورته كأحد الرؤساء الذين أوصلوا الجمهورية إلى الحضيض، وألا يتذكروا في النهاية إلا الرجل الذي وقف في وجه اليمين المتطرف. ليس مؤكدا أن ماكرون سينجح في رهانه، لكن المؤكد أن شيئا ما انطفا في بلد الانوار.
لقد ذهب الكبار وبقي الصغار. منذ ولاية نيكولا ساركوزي أصيبت الجمهورية بوعكة صحية حادة، ودخلت الى غرفة العناية المركزة في عهد فرانسوا هولاند. وفي عام 2017، لبس الشاب ماكرون “طالبية” بيضاء وادعى أن بامكانه علاج المريضة التي لم تنفع معها أدوية اليمين واليسار… وهاهي الجمهورية اليوم في حالة موت سريري، بسبب الانتهازية والحسابات الصغيرة والسياسات الفاشلة. وهاهو الحكم ينتقل بسلاسة من الفاشلين الى الفاشيين. جوردان بارديلا لم يسبق له أن حصل على أي شهادة جامعية ولم يسبق له في حياته أن اشتغل، كل رصيده ابتسامات وسيلفيات ومتابعون على وسائل التواصل الاجتماعي.…لم تنتقل فرنسا من الفاشلين إلى الفاشيين فحسب، الكأس والبطولة: فاشيون وفاشلون!







