كتبَ نيكولو ميكيافيلي في كتابه “الأمير” أن الحاكم لا يقاس بقدرته على تجنب الأزمات، بل بقدرته على توقعها ومواجهتها قبل أن تستفحل. فالأزمات لا تختفي بالتأجيل، بل تزداد تعقيدًا، وتصبح كلفة علاجها أعلى كلما تأخر القرار.
لعل هذا هو الدرس الذي لم تستوعبه حكومة أخنوش، أو ربما استوعبته واختارت أن تتصرف بعكسه. فقبل أشهر قليلة من نهاية ولايتها، تبدو منشغلة أكثر بكيفية عبور ما تبقى من الزمن السياسي بأقل الخسائر، لا بكيفية إنهاء الأوراش التي جاءت من أجلها.
أخطر ما يقع اليوم ليس تعثر إصلاح التقاعد في حد ذاته. الإصلاحات الكبرى تتعثر في كل الديمقراطيات. الخطورة تكمن في أن قرار التأجيل أصبح، في حد ذاته، سياسة عمومية. كل ملف مكلف سياسيًا يؤجل. وكل ورش قد يثير غضب فئة اجتماعية يرحل. أما الحكومة المقبلة، فلتتكفل بالباقي.
هكذا اختفى الحديث عن إصلاح أنظمة التقاعد، وجمدت مراجعة القانون الجنائي، وتأخر إصلاح الوظيفة العمومية، وظلت ملفات الجبايات المحلية تراوح مكانها. أما التفسير الرسمي، فهو البحث عن التوافق واحترام الحوار الاجتماعي. وهو تفسير يبدو مقبولا إلى أن ننظر إلى ملفات أخرى لم تتردد فيها الحكومة لحظة واحدة.
هنا تبدأ المفارقة.
الحكومة نفسها التي تتحدث اليوم عن ضرورة التوافق، لم تتردد في استعمال أغلبيتها البرلمانية لتمرير قوانين أثارت احتجاجات واسعة، من القانون التنظيمي للإضراب إلى قانون المحاماة. حينها لم يكن التوافق شرطا، ولم يكن الاحتقان سببا للتراجع. أما حين تعلق الأمر بإصلاح يمس مئات الآلاف من الموظفين، تغيرت قواعد اللعبة فجأة.
السياسة ليست مجرد إدارة للمزاج العام، ولا هي فن تأجيل القرارات غير الشعبية. السياسة، في جوهرها، هي القدرة على اتخاذ القرار في الوقت المناسب، ثم تحمل مسؤوليته أمام الرأي العام. أما أن تؤجل كل الملفات الثقيلة إلى من سيأتي بعدك، فذلك لا يعني أنك حللت المشكلة، بل يعني فقط أنك نقلتها إلى مكتب آخر.
لهذا يصعب الاقتناع بأن ما وقع في ملف التقاعد سببه فقط غياب التوافق. فالتوافق ليس قيمة مطلقة، وإلا لما مرت قوانين أخرى رغم حجم الاعتراض الذي رافقها. ما تغير، في الواقع، ليس مبدأ التوافق، وإنما حجم الكلفة الانتخابية.
حين يصبح الاقتراع أقرب من الإصلاح، تميل الحكومات إلى تجنب كل ما قد يزعج الناخبين. وحين تتغلب الحسابات الحزبية على منطق الدولة، يصبح المستقبل أول ضحايا الحاضر.
الحكومة المقبلة، مهما كان لونها السياسي، لن تبدأ من صفحة بيضاء. ستجد ملفات أكثر تعقيدا، وصناديق تقاعد أكثر هشاشة، وإصلاحات أصبحت كلفتها أعلى مما كانت عليه قبل خمس سنوات. وكل يوم يمر من دون قرار، يضيف عبئًا جديدا إلى فاتورة سيدفعها الجميع.
لهذا لا يتعلق الأمر بالتقاعد وحده، بل بطريقة في “تسيير الشأن العام” أصبحت مألوفة. كل حكومة تحاول أن تصل إلى نهاية ولايتها بأقل قدر من الخسائر السياسية، حتى لو كان ذلك على حساب تضخم كلفة الإصلاح بالنسبة للدولة.
في السياسة، يمكن تأجيل القرار، لكن لا يمكن إلغاء كلفته. وما لم تُنجزه حكومة اليوم، ستدفع ثمنه حكومة الغد، وسيؤديه المواطن في النهاية. أما الملفات الثقيلة، فقد وُضعت بعناية على رف الانتظار، تحمل عبارة واحدة تكاد تختصر فلسفة المرحلة كلها: “إلى الحكومة المقبلة.. مع التحية!







