فهمنا الآن لماذا سُمّيَ افتتاح الألعاب الأولمبية ب”العرس”. ما إن انتهى الحفل، حتى شرع الملايين في الانتقاد والامتعاض والتبخيس والتنقيص، تماما كما يفعل الحاضرون في أيّ حفل زفاف، بمجرد مغادرة القاعة، حيث “تتشاير” التعليقات الودّية من قبيل: العروسة شارفة، العريس أحول، اللحم ناشف، الدجاج ماطايبش، خرجنا جيعانين، الجوق عيان، ما عرفناه عرس ولا گنازة،
گالك “Pièce montée”
وهي حلوى د لاكريم…
وغيرها من التعليقات اللطيفة في ختام أي عرس ناجح. صحيح أن منظمي “العرس الأولمبي” “زادو فيه شوية”، حيث اعتمد المخرج على رؤية فنية تستفز المواضعات، وتسخر من التقاليد، مما خلف كثيرا من الجدل والتعليقات السلبية، لكن العرس عرس، ولا بد أن ينال حصته كاملة من النقد والتجريح والتسفيه… أو ما يعرف في معجم السوشل ميديا ب”التنمر”، ولا أعرف شخصيا من أين خرج لنا هذا “النمر”، وأين كان مختبئا طوال هذه السنوات، قبل أن يطلقوه علينا مع وسائل التواصل الاجتماعي… وتلك قصة أخرى!
أكثر شيء أزعج في الافتتاح الأولمبي هو “التجرأ” على الرموز المسيحية، وتمجيد المثلية وما يدور في فلكها، والإنحياز إلى التنوع والاختلاف. المسألة الأخيرة أزعجت اليمين المتطرف، على الخصوص، الذي كان على أعتاب السلطة في فرنسا قبل ثلاثة أسابيع. أن تظهر الشعلة الأولمبية في يد جمال الدبوز ثم زين الدين زيدان وتنتهي بين يدي ماري-جوزي پيريك وتيدي رينر… سيناريو لم يتخيله، حتى في أسوإ الكوابيس، أصحاب نظرية “الاستبدال الكبير”، الذين يخافون أن يستيقظوا ذات يوم ويجدوا كل سكان فرنسا عربا وسودا ومسلمين!
الأعمال الفنية العظيمة تثير الجدل دائما، ولا شكّ أنّ ما قدمه توما جولي -مخرج الحفل- يندرج في هذا السياق: إبداع ضخم برؤية جريئة، شكلا ومعنى. المشكلة أنّ الإبداعات التي تخرق القواعد، وتتمرد على المواضعات، لا تتوجه بالضرورة إلى الجمهور الواسع، وحفل افتتاح أولمبياد باريس تابعه على الهواء مباشرة أكثر من 22 مليون شخص في فرنسا وحدها. من الطبيعي أن يثير الغضب والرفض والشجب والاستنكار، لدى شرائح واسعة من الجمهور، ولدى رؤساء دول وحكومات، ومؤسسات دينية من بينها “الأزهر”. المحافظون في كلّ أنحاء العالم استفزّهم الحفل، مسيحيون ومسلمون ويهود وبوذيون ولا دينيون، توحّدوا في اعتبار أن العرض تجاوز الخطوط الحمراء واعتدى على مشاعر ملايين المسيحيين، والبعض في فرنسا كان يفضل أن تضع “الموتارد” في عينيه، على أن يرى آية ناكامورا تغني مع جوقة الحرس الجمهوري. مارين لوبن وإيريك زمور ومن يدور في فلكهما من العنصريين، خصصوا جزء محترما من الحملة الانتخابية الأوربية للهجوم على المغنية الفرنسية من أصل مالي، بمجرد ما عرفوا أنها ستغني في افتتاح الأولمبياد، لأنها في نظرهم لا تمثل فرنسا وكلمات أغانيها لا علاقة لها بلغة موليير… خلال حفل الافتتاح، غنت الفنانة السمراء مع جوقة الحرس الجمهوري، في حرم الأكاديمية الفرنسية، نكاية في الفاشية!
ليس المسيحيون والمحافظون والعنصريون وحدهم من غضبوا من حفل افتتاح أولمبياد باريس، بل الكوريون الجنوبيون أيضا، لأن وفد سيول تم تقديمه على أنه وفد بيونغ يانغ، بعد أن اختلط على المعلّق الشمال والجنوب. حين كان الكوريون الجنوبيون يلوحون بأعلام بلادهم فوق مركب يتراقص على نهر السين، صاح المعلق: وفد الجمهورية الكورية الديمقراطية الشعبية… بالإنجليزية قبل أن يترجمها للفرنسية. الحقيقة أن “الجمهورية الكورية الديمقراطية الشعبية”، هو الاسم الرسمي لكوريا الشمالية، الجارة اللدود لسيول. المظاهر خادعة: المعلق اعتقد أن كلمة “ديمقراطية” لا يمكن أبدا أن تحيل على أشهر ديكتاتورية في العالم. لا يعرف أن “الخطاب حجاب” كما يقول المتصوفة، وأن ما ينقص في الواقع تعوّضه التسمية. حادث “الجمهورية الكورية الديمقراطية الشعبية”، يذكّرني بقصة وقعت للمبدع الإيرلندي الشهير، جورج برنارد شو، مع كاتب مغرور، قال له كي يقلّل من شأنه: الفرق بيننا أنك تكتب بحثا عن المال وأنا أكتب بحثا عن الشرف… فردّ عليه برنارد شو، بحسه الساخر: شيء طبيعي، كل واحد يفتش عما ينقصه!
أينما وجدت كلمة “ديمقراطية” في الإسم الرسمي لدولة ما، اعرف أنها ديكتاتورية عريقة، وأينما وجدت “شعبية” اعلم أن الشعب منهوب ومقهور…
عام 2017 في بطولة أوربا للشباب يإيطاليا، نطّت البطلة البيلاروسية فيوليتا سكفورتسوفا غاضبة من البوديوم، وعلى صدرها الميدالية الذهبية، التي أحرزت في مسابقة القفز الثلاثي، بعد أن سمعت النشيد الوطني البوسني يلعلع في الملعب بدل نشيد بلادها بيلاروسيا. “الخطأ كيوقع”!
سيول احتجت رسميا لدى اللجنة الأولمبية الدولية، و”طالبت بضمانات كي لا يتكرر هذا الخطأ”، رغم أن الضامن هو الله، وهناك دول سيظل الخلط بينها واردا جدا، في مثل هذه المناسبات، بسبب تشابه الأسماء، على رأسها طبعا كوريا الجنوبية وكوريا الشمالية، والنيجر ونيجيريا، والكونغو وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وغينيا كوناكري وغينيا الاستوائية وغينيا بيساو، لحسن الحظ أن الجزائر لم تعد تسمى المغرب الأوسط وتونس المغرب الأدنى… وإلا كنا وقعنا نحن أيضا في المحظور.
الحاصول، بحال اليمن بحال اليابان، الله يرزق غير شي ميدالية، خصوصا أن حظ المغرب لا يبعث أبدا على الارتياح، بعد المشاركة في مسابقات السباحة والجيدو، الحصيلة لحد الآن: غريقان وثلاثة مصابين!
“بحال اليمن بحال اليابان”







