لا نملك إلا أن نصفق للسفير الروسي الراحل الذي فضح عدم احترام وزرائنا ومسؤولينا للدستور، وللغتنا الرسمية، بعد أن سلموا ألسنتهم للغة الفرنسية خلال أشغال المنتدى المغربي الروسي، فيما تمسك هو بإلقاء كلمته بلغة عربية سليمة.
المسؤول الروسي سبق أن استغرب قبل خمس من محاولة فرض اللغة التي ألقى بها كلمته خلال لقاء نظمته الإيسيسكو بالرباط، وقال بصريح العبارة: “كيف يطلب مني أن أتحدث بالفرنسية في بلد لغته الدستورية هي العربية والأمازيغية”، وهو نفس الموقف الذي تشبث به في عدة لقاءات وأنشطة رسمية، في ظل هوس مرضي لدى المسؤولين المغاربة باللغة الفرنسية، التي لا يتحرج البعض من اللجوء إليها بدعوى عدم اتقانه للغة العربية، بمنطق معاداة ما يجهلونه.
الهرولة نحو الفرنسية نعاينها أيضًا في الندوات التي يحضرها صحفيون مغاربة، حيث توزع عليهم بيانات باللغة الفرنسية من طرف بني جلدتهم، وهو موقف فصامي، وله خلفيات خطيرة وغير بريئة، لأننا لا نعتقد أن المسؤولين في فرنسا سيوزعون على صحافييهم بلاغًا صحفيًا مكتوبًا باللغة العربية أو الأمازيغية.
كما يبقى من المفارقات الصارخة أن يخاطب من هم في مناصب المسؤولية شعبًا لازال يغرق 32% من مواطنيه في أمية مطلقة، من خلال فرنسية نحيفة ومصقولة بعناية، علمًا أن التواصل أصبح من أهم آليات ممارسة السياسة وتدبير الشأن العام.
هذا السلوك الذي تحول إلى ترف لدى بعض المسؤولين القادمين من برج عاجي أو المكبوتين اجتماعيًا وطبقيًا، هو سلوك مدان ومرفوض، ويعكس تفريطًا غير مقبول في الهوية التي تعد اللغة إحدى لبناتها الأساسية.
سلوك مستفز يكرسه مسؤولون لديهم جينات استلاب لكل ما هو قادم من فرنسا، التي لازلنا نتعامل بلغتها في وثائقنا الإدارية وتعاملاتنا الرسمية، ونستعير لسانها لنخاطب به شعبًا يسعى البعض جاهداً لفرنسته من جديد عبر بوابة التعليم العمومي.
والواقع أن الأزمة التي تسببت فيها المادة 14 من مشروع قانون التنظيم القضائي للمملكة كشفت أن هناك من يريد للغة الفرنسية أن تبقى راسخة في المعاملات الإدارية والرسمية كنوع من الاستعمار الناعم.
نصت المادة 14 على أن الوثائق والمستندات تقدم للمحكمة باللغة العربية أو بلغة أجنبية مصحوبة بترجمتها لهذه اللغة مصادق على صحتها من قبل ترجمان محلف. والواقع أن هذا الجدل الذي حسمته لجنة العدل والتشريع لم يكن ليُثار أصلاً لو احترمت مؤسسات الدولة والوزارات والإدارات الدستور، والتزمت بمنشور رئيس الحكومة الذي يشدد على إلزامية استعمال اللغة العربية أو اللغة الأمازيغية في جميع المراسلات بين الإدارات ومع المواطنين.
المنشور الذي قوبل بتجاهل تام وعمدي، رغم أنه صادر عن الرجل الثاني في هرم الدولة، أشار وللمفارقة إلى أن بعض مرافق الدولة لم تستجب لمنشورات سابقة صدرت سنتي 1998 و2008، وهو ما ترتب عنه في بعض الحالات صدور أحكام قضائية تبطل وثائق وقرارات إدارية محررة بلغة أجنبية، مما يكلف الدولة خسائر مالية.
كما شدد على أن القضاء المغربي اعتبر إصدار مرفق عمومي لمقررات ووثائق بلغة أجنبية مشوبًا بعيب المخالفة الجسيمة للقانون، وانتهاكًا لإرادة المواطنين المجسدة بنص الدستور.
المنشور نبه لكون اللغة الأجنبية غير منصوص على استعمالها في الوثائق الرسمية بأي نص قانوني، وانتهى إلى أن الإدارات العمومية والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية ملزمة بجميع مرافقها باستعمال اللغة العربية أو اللغة الأمازيغية أو هما معًا في جميع تصرفاتها وأعمالها وقراراتها وعقودها ومراسلاتها وسائر الوثائق، سواء كانت داخلية أو موجهة للعموم.
اليوم، وبعد مرور س;hj، لم يتغير أي شيء… بل العكس هو الذي حصل، بعد أن اختفى نقاش إلزامية استعمال اللغة العربية التي قال أحد الوزراء إنها لغة ميتة، وعاد استعمال اللغة الفرنسية من الباب الواسع من خلال “فرنسة” التعليم بدعم من أنصار التيار الفرنكوفوني، خاصة بعد القرض الفرنسي بقيمة 114 مليار، والذي أعاد المدرسة العمومية لحظيرة الفرنسية.
“لقد سمعنا سابقًا وزيرًا وهو يقول إن اللغة العربية ميتة”، و”ضلّت كذلك منذ الجاهلية، ولم تتطور منذ 14 قرنًا”، و”الفرنسية والإنجليزية ثروة يجب أن توزع بشكل عادل بين المغاربة”.
وصف اللغة العربية بأنها ميتة ليس جديدًا بل سمعناه كثيرًا خلال منافحات فكرية وثقافية بين أسماء أدبية معروفة، كما سمعناه بصيغة نشاز خلال المساعي المشبوهة التي قامت بها بعض الوجوه التي لا ندري فعلاً من يقف خلفها، وهي ذات الوجوه التي فشلت إلى الآن في مشروعها الهادف لتقويض مكانة اللغة العربية، وفسح المجال لاكتساح الدارجة، تمامًا كما حاول المستشرقون وأنصار الكولونيالية، والذين اتضحت أهدافهم من ذلك في وقت لاحق. وعلى من يجهلها من الساسة الذين قُطر بهم السقف أن يعودوا لمقررات التاريخ الخاصة بالأطفال.
لن نناقش الحملة على اللغة العربية لأن أجندتها واضحة، العبث هو أن نتوقع إصلاح التعليم العمومي من وزراء يدرسون أبناءهم بالبعثات الأجنبية، بل وفوق ذلك يعتبرون أن الفرنسية “ثروة”؟







