تشهد دول المغرب الكبير موجة حر استثنائية تفرض نفسها بقوة على المشهد اليومي للسكان والسلطات على حد سواء، بعدما تسببت القبة الحرارية التي تخيم على جنوب غربي البحر الأبيض المتوسط في ارتفاع قياسي لدرجات الحرارة، ودفعت بعدد من دول المنطقة إلى رفع درجات الإنذار واتخاذ إجراءات وقائية لمواجهة تداعياتها الصحية والبيئية والخدماتية.
ووفق ما أوردته هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي”، فإن القبة الحرارية تتمثل في مرتفع جوي قوي يحبس الهواء الساخن في الطبقات السفلى من الغلاف الجوي ويحد من تجدد الكتل الهوائية، ما يؤدي إلى استمرار ارتفاع درجات الحرارة خلال فترتي النهار والليل. وتتمركز هذه الظاهرة الجوية فوق المغرب والجزائر وتونس وليبيا، ولا سيما المناطق الشرقية منها، فيما يُرتقب أن تبلغ موجة الحر ذروتها خلال عطلة نهاية الأسبوع قبل أن تستمر حتى منتصف الأسبوع المقبل.
وتشير التوقعات الجوية إلى أن درجات الحرارة قد تتراوح بين 45 و48 درجة مئوية في عدد من المناطق، مع احتمال اقترابها من 50 درجة مئوية محليًا، ما دفع هيئات الأرصاد الجوية إلى دعوة السكان للإكثار من شرب المياه وتجنب التعرض المباشر لأشعة الشمس خلال ساعات الذروة والحد من الأنشطة البدنية المجهدة، مع إيلاء عناية خاصة لكبار السن والأشخاص الذين يعيشون بمفردهم.
وفي الجزائر، تزامنت موجة الحر مع اندلاع حريق مأساوي داخل مؤسسة لرعاية الأطفال ببلدية المحمدية شرقي العاصمة الجزائرية، أودى بحياة 11 طفلًا وأدى إلى إصابة 19 شخصًا، وفق ما أعلنته هيئة الحماية المدنية الجزائرية، التي أكدت أيضًا إجلاء خمسة أطفال من ذوي الإعاقة إلى أماكن آمنة، فيما لا تزال التحقيقات جارية لتحديد أسباب الحريق دون الإعلان عن وجود صلة مباشرة بينه وبين موجة الحر.
كما شهدت الجزائر خلال الفترة الممتدة ما بين الثامن والخامس عشر من يوليوز الجاري تسجيل 932 حريقًا بمناطق متفرقة من البلاد، شملت الغابات والأحراش والمحاصيل الزراعية والمناطق الحضرية، تمكنت مصالح الحماية المدنية من إخماد 913 منها حتى صباح الأربعاء الماضي.
وجندت السلطات الجزائرية أكثر من 19 ألف عنصر و700 آلية إطفاء، إلى جانب ست مروحيات و12 طائرة قاذفة للمياه لمواجهة الحرائق التي أجبرت السلطات على إجلاء سكان عدد من المناطق المهددة بها، خصوصًا في ولايات بجاية وقالمة والبويرة وميلة.
وفي سياق متصل، شهدت 16 ولاية جزائرية انقطاعًا واسعًا للتيار الكهربائي نتيجة عطل تقني بإحدى المنشآت الكهربائية الرئيسية، تزامن مع ارتفاع غير مسبوق في استهلاك الكهرباء بسبب موجة الحر، قبل أن تعلن السلطات لاحقًا عودة التيار الكهربائي بشكل كامل إلى الولايات المتضررة.
أما في تونس، فقد دفعت درجات الحرارة المرتفعة استهلاك الكهرباء إلى مستويات قياسية بلغت نحو خمسة آلاف ميغاواط خلال ساعات الذروة، بزيادة تقارب 30 في المائة مقارنة بالمعدلات المعتادة، نتيجة الاستخدام المكثف لأجهزة التكييف، وفق معطيات الشركة التونسية للكهرباء والغاز.
وأعلنت الشركة احتمال اللجوء إلى قطع دوري للتيار الكهربائي في عدد من مناطق تونس الكبرى بهدف تخفيف الضغط على الشبكة وتجنب انقطاع شامل، وهو ما أثار احتجاجات لمواطنين تجمعوا أمام أحد مقارها بالعاصمة تونس، متهمينها بعدم الاستعداد الكافي لمواجهة موجة الحر رغم التحذيرات الجوية المبكرة.
كما تحدثت وسائل إعلام تونسية عن وفاة خمسة أشخاص كانوا يعتمدون على أجهزة أكسجين منزلية توقفت عن العمل أثناء انقطاع التيار الكهربائي، من بينهم مريضة بالسرطان، غير أن السلطات التونسية لم تصدر حتى الآن أي تأكيد رسمي لهذه المعطيات أو لوجود علاقة مباشرة بين الوفيات والانقطاعات الكهربائية.
وتزامنت أزمة الكهرباء مع اضطرابات في توزيع مياه الشرب بعدد من المناطق التونسية، في ظل ارتفاع الطلب خلال الأيام الأخيرة وما تواجهه شبكات التوزيع من صعوبات تقنية.
وفي المغرب، تواصل مصالح الأرصاد الجوية إصدار نشرات إنذارية بشأن الارتفاع الملحوظ في درجات الحرارة بعدد من الأقاليم، فيما شهدت بعض المدن تسجيل مستويات مرتفعة قاربت 46 درجة مئوية، وسط دعوات إلى الالتزام بالإرشادات الوقائية وتجنب التعرض لأشعة الشمس خلال ساعات الذروة.
وخلفت موجة الحر تفاعلًا واسعًا على منصات التواصل الاجتماعي في دول المنطقة، حيث تداول المستخدمون صورًا ومقاطع فيديو توثق تداعياتها، إلى جانب نصائح وإرشادات للوقاية من مخاطرها، فيما عبر آخرون عن مخاوفهم من تكرار سيناريو الحرائق والانقطاعات المتكررة للكهرباء والماء خلال فصل الصيف.
وتسلط موجة الحر الحالية الضوء على حجم التحديات التي باتت تفرضها الظواهر المناخية المتطرفة على دول المنطقة، ليس فقط على المستوى الصحي والبيئي، بل أيضًا على صعيد قدرة البنيات التحتية والخدمات الأساسية على الصمود أمام الارتفاعات القياسية لدرجات الحرارة. وبين الحرائق وانقطاعات الكهرباء واضطرابات توزيع المياه، تبدو دول المغرب الكبير أمام اختبار جديد لمدى جاهزيتها للتعامل مع تداعيات التغيرات المناخية التي أصبحت أكثر تواترًا وحدّة خلال السنوات الأخيرة.







