رغم الأرقام التي تعلنها الحكومة بشأن التقدم في ورش تعميم الحماية الاجتماعية، تكشف معطيات ميدانية حديثة عن استمرار شريحة واسعة من المغاربة خارج الاستفادة الفعلية من خدمات التأمين الإجباري الأساسي عن المرض، بسبب ما يعرف داخل منظومة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بـ”الحقوق المغلقة”.
وتشير هذه المعطيات إلى أن نحو 3.5 ملايين شخص مسجلين ضمن نظام التأمين الإجباري عن المرض الخاص بالمهنيين والعمال المستقلين والأشخاص غير الأجراء، غير أنهم لا يستطيعون الاستفادة من العلاج أو استرجاع مصاريف التطبيب، نتيجة تعليق حقوقهم بسبب عدم تسوية الاشتراكات المستحقة.
وتعود جذور هذا الوضع إلى آليات تنزيل نظام التأمين الإجباري الخاص بالمستقلين، الذي يقوم على أداء اشتراكات دورية مقابل الاحتفاظ بحق الاستفادة من الخدمات الصحية. غير أن عددا من المهنيين والعاملين لحسابهم الخاص، خاصة أصحاب المداخيل غير المنتظمة، وجدوا أنفسهم عاجزين عن مواصلة أداء هذه الاشتراكات، ما أدى إلى تعليق حقوقهم تلقائيا داخل النظام المعلوماتي للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.
ويؤكد مهنيون أن عددا من المستفيدين لا يكتشفون وضعية “الحقوق المغلقة” إلا عند ولوج مؤسسة صحية أو محاولة الاستفادة من خدمات العلاج، حيث يتبين أن ملفاتهم لا تخول لهم الاستفادة من التغطية الصحية إلى حين تسوية وضعيتهم الإدارية والمالية.
ويطرح هذا الوضع، بحسب فاعلين في القطاع، تساؤلات حول مدى قدرة النموذج الحالي على الاستجابة لخصوصية فئات واسعة من المهنيين والعمال المستقلين، الذين تتسم مداخيلهم بعدم الاستقرار، وهو ما يجعل انتظام أداء الاشتراكات أمرا صعبا بالنسبة إلى عدد منهم، خاصة خلال فترات الركود الاقتصادي أو تراجع النشاط المهني.
وترى المصادر أن استمرار ملايين المسجلين خارج الاستفادة الفعلية من خدمات التأمين الصحي يبرز الفارق بين توسيع قاعدة المنخرطين وبين ضمان الولوج الحقيقي إلى العلاج، وهو ما يعيد إلى الواجهة النقاش حول ضرورة مراجعة بعض آليات النظام، من خلال اعتماد حلول أكثر مرونة، من قبيل إقرار فترات سماح أو آليات خاصة تراعي طبيعة مداخيل الفئات المستقلة، بما يضمن استمرارية التغطية الصحية دون الإخلال بالتوازنات المالية للصندوق.
ويؤكد مختصون أن نجاح ورش الحماية الاجتماعية لن يقاس فقط بعدد المسجلين في قواعد البيانات، وإنما بمدى تمكن المواطنين من الاستفادة الفعلية من الخدمات الصحية عند الحاجة إليها، باعتبار أن الولوج إلى العلاج يشكل الغاية الأساسية من نظام التأمين الإجباري عن المرض.







