الصراع الحالي بين هيئات المحامين في المغرب وبين الجهاز التنفيذي والتشريعي للدولة المغربية خصوصا حول موضوع الاستقلالية المهنية في القانون 66.23 المصادق عليه من قبل البرلمان، يجرنا إلى نقاش أعمق في محاولة لفهم فلسفة هذه الاستقلالية وتأصيلها التاريخي في الدولة الغربية لا سيما في أوروبا، والتي أثرت في مفهوم الاستقلالية في كل الأنظمة القانونية والسياسية عبر العالم، وفي كل أنظمة المهن الحرة.
إن بعض الصراعات التي تنشأ أحيانا بين رواد المهن الحرة بشكلها الذي وصلت إليه حاليا، وبين مراكز السلطة في الدولة الحديثة في كل دول العالم، قد تجد تأصيلها التاريخي، إلى حد ما، في سياق نظام الطوائف Corporations في بلدان أوروبا خصوصا في العصور الوسطى. لقد مارس الرعايا حينها مهن المحاماة والطب مثلا، في إطار طوائف أو نقابات مهنية مغلقة إلى حد بعيد، وكانت تتميز باستقلالية تنظيمية نسبية وليست مطلقة، استقلالية مشروطة بواجب خدمة السلطة السياسية والدينية. لذلك كانت تحصل هذه الطوائف أو الفئات على الامتيازات والاعتراف الرسمي من الملك، أو الكنيسة مقابل التزامها بضوابط معينة تخدم “النظام العام” و”المصلحة العامة”. ولعل هذا هذا التأصيل التاريخي للمهن الحرة في فرنسا مثلا، هو الذي جعلها تتطور لتنتهي إلى ممارسة مهام ذات مصلحة عامة شبيهة بخدمات المرفق العام حاليا.
بعد ذلك أحدث عصر الأنوار وثورات الحرية في أوروبا تحولا جذريا في فلسفة المهن الحرة، وإخرجها من صيغة الطوائف والاحتكار والمنافع، لا سيما بعد صدور قانون شابولييه (Loi Le Chapelier) سنة 1791 في فرنسا، الذي ألغى الطوائف والنقابات المهنية معتبرا أنها تتعارض مع مبدأ الحرية الفردية. إنه نفس المبدأ الذي تبناه فيما بعد قانون الجمعيات في فرنسا لسنة 1901 ( أنظر الرابط: https://www.assemblee-nationale.fr/dyn/histoire-et-patrimoine/troisieme-republique/loi-sur-le-droit-d-association)
وبذلك تميزت هذه المرحلة، باستقلالية المهن الحرة مقابل تبعية سابقة في ظل نظام الطوائف السابق، استقلالية تكرست مع نظام الدولة الليبرالية في أوروبا وحد أدنى من تدخل الدولة.
غير أن فلسفة المهن الحرة ستعرف تحولا جديدا مع ظهور الدولة الدستورية لا سيما في القرن العشرين، ومع ظهور توجهات تحد من تسلط الأفراد والتنظيمات، ومع ظهور مفهوم الدولة الاجتماعية، مما أعطى مفهوما جديدا للاستقلالية التي لم تعد تعني الانفصال عن الدولة، بل صارت تفهم على أنها استقلالية غير مطلقة، استقلالية مشروطة أو منظمة وفق القانون والتشريع الذي تصدره مؤسسات الدولة، لحماية المصلحة العامة وحقوق الغير خاصة المتقاضين، و السهر على ضمان جودة الخدمات المقدمة في إطار هذه المهن الحرة، الشيء الذي أفضى إلى ظهور مفهوم الخدمات ذات المنفعة العامة (missions d’intérêt général)، والذي صار يطبق على المهن الحرة في أوروبا عندما تتولى إدارة أموال الغير، أو عندما تكون بوابة للحقوق الأساسية كما هو الحال في مهنة المحاماة.
من جانب آخر فإن عدد من التجارب المقارنة الرائدة، خاصة في فرنسا وإسبانيا التي سبقتنا في هذا النقاش المهني، تؤكد أن التدخل التشريعي في تنظيم المهن الحرة، بما في ذلك الرقابة على الأموال والولوج إلى المهنة، ليس فيه ما يخالف الدستور بالاستناد إلى مبدأي التناسب والمصلحة العامة، وإلى التطور التاريخي لفلسفة المهن الحرة كوسيط بين الفرد والمؤسسات حسب السياقات السياسية و الاجتماعية.
أولا- نبذة عامة عن أهم المبادئ التي يمكن للقاضي الدستوري أن يعملها بمناسبة رقابته على دستورية القوانين
ولئن كان مبدأ علو الدستور وسموه كأساس نظري للرقابة الدستورية، باعتبار الدستور هو القانون الأسمى الذي يجب الاحتكام إليه لتحديد شرعية ومجازاة باقي القواعد القانونية، فإن هناك مبادئ أخرى رسخها الفقه والقضاء يتم اللجوء إليها لضبط ايقاع الدستورية أمام موجات الطعون والدفاع المتضادة.
وبذلك فإن القاضي الدستوري يفكك النوازل والقضايا بناء على قاعدة التفسير المنسجم مع الدستور قدر الإمكان، قبل اللجوء إلى إعلان عدم دستوريتها، لتجنب التصادم بين السلطة التشريعية والقضاء الدستوري.
فمشرع النص القانوني يتوفر على هامش تقديري معترف به دستوريا وسياسيا، في حرية اختيار وسائل تنزيل سياساته التشريعية والتتفيذية، في المجالات الاقتصادية وتلاجتماعية وغيرها، ولا يمكن تصور ولا تدخل للقضاء الدستوري، إلا إذا تبث تجاوز المشرع لهذا الهامش بشكل واضح أو تعسفي.
ومن هذا المنظور، فإن القاضي الدستوري يمارس أحيانا رقابة على احتمال وجود خطأ ظاهر في التشريع، و لا يبسط رقابته بشكل واسع وأكبر على تقدير المشرع بشكل كامل، بل يكتفي بالبحث والتحقق من عدم وجود خطأ واضح أو تعسف في تقدير الوقائع أو اختيار الوسائل التشريعية.
غير أن أهم هذه المبادئ هو مبدأ التناسب في الفقه الدستوري، الذي يعتبره الفقهاء والقضاة الدستوريين ضروري للتوفيق بين القواعد والمعايير المتصارعة، وضمانة لدولة الحق والقانون.
يرتبط مبدأ التناسب، الذي نشأ في مجال القانون الإداري، في الفقه الدستوري بمفهوم العقلانية في التدخل التشريعي وفي خلق توازن المصالح المتعارضة مع احترام للحقوق وللحريات وللمصلحة العامة. ورغم أن تطبيقه يختلف من نظام دستوري إلى آخر، إلا أنه صار من المبادئ العامة ومن أهم أساليب ومعايير فحص الدستورية في معظم الأنظمة الدستورية المعاصرة، لا سيما بعد الحرب العالمية الثانية.
يعرف هذا المبدأ، الذي صار أحد أهم أدوات القضاء الدستوري الفرنسي، بكونه يفرض على الفعل التشريعي أو الإداري التقريري، المرتبط بتنظيم مجال مرتبط بممارسة الحقوق والحريات، أن يكون متناسبا ومناسبا مع هدفه المشروع الذي يطمح إليه والا يتجاوز حدودا معينة في ذلك.
ويتأسس المفهوم على ثلاث عناصر أساسية، وهي الملاءمة، بحيث ينبغي أن يكون التشريع المتخذ مناسبا وقادرا على تحقيق الهدف المرجو، واذا لوحظ من قبل القاضي الدستوري أن التشريع موضوع فحص الدستورية غير قادر على تحقيق الغاية المتوخاة، فإنه عد غير متناسب خصوصا اذا مس بجانب متعلقة بالحريات والحقوق، بشرط أن تكون هذه الغاية محددة، واضحة وعلنية ومشروعة.
ثم عنصر الضرورة، الأكثر صرامة في هذا المبدأ، بحيث أنه يفترض أن تدخل المشرع كان ضروريا وأنه لم يجد توجها آخر أقل تقييدا للحرية أو للاستقلالية يحقق نفس الهدف بنفس الفعالية.
وأخيرا التناسب بالمعنى اللغوي الضيق، والذي يفترض أن التشريع المتخذ حتى لو كان ملائما وضروريا، فإنه ينبغي أن يحقق غاية ذات فائدة عامة كبرى محققة من وراء التشريع المعني، مقارنة بالضرر الذي قد يلحق بأحد الحقوق أو إحدى الحريات، وكأننا أمام ميزان موضوعي لمصالح متعارضة لخلق توزان معين يرضي المصلحة العامة ولا يلحق ضررا جسيما بالحريات والحقوق، مما يعزز الشرعية الدستورية، ويضفي على التدخل التشريعي طابعا عقلانيا ومبررا تحتاجه الدولة الحديثة في تجورها الذهني والبشري الحالي.
ثانيا- خلاصات أهم الوسائل المثارة بشأن دستورية قانون المحاماة 66.23 ومواجهتها بالقيم الدستورية ومبادئ الرقابة
الوسيلة الأولى: دستورية الرقابة على حسابات الودائع والأداءات المواد 76 و 77 من القانون المصادق عليه من قبل البرلمان.
تعد الرقابة المفترضة التي يمارسها المجلس الأعلى للحسابات على حساب ودائع وأداءات المحامين من أبرز المقتضيات التي أثارت جدلا دستوريا بين المحامين وبين الحكومة والبرلمان. ولئن كان هناك توجه مهني وفقهي مغربي يعتبر أن هذه الرقابة تمس باستقلال المهنة وبالسر المهني، فإن التحليل بناء على الفقه والقضاء الدستوري المقارن يفرض توجها مقابلا أكثر واقعية وأكثر استعمالا، من منطلق أنه يرى أن هذا المقتضى ينسجم مع المبادئ الدستورية، انطلاقا من تعريفه بالمصلحة العامة بكونها تتجاوز المصالح الخاصة وتتعلق بحماية حقوق الغير وصيانة مبدأ الشفافية، ذلك أنه عندما يتولى المهنيون إدارة أموال الغير، فإن هذه الأموال قد تكتسب طابعا شبه عمومي، مما يبرر إخضاعها لرقابة جهاز أعلى في الدولة يهدف إلى تحقيق الانصاف والعدالة في التوزيع، باعتبارها رقابة تدبير و تدقيق مالي خارجي، و لا تتدخل في القرارات المهنية أو في سرية العلاقة بين المحامي وموكله أو في التضييق على حرية ممارسة الدفاع أمام القضاء.
وهو نفس التوجه الذي تبنته عدة قانونية مقارنة بمناسبة عرض نزاعات تخص المهن الحرة، بناء على اجتهادات فقهية وقضائية عليا. في فرنسا مثلا، يعد اجتهاد المحكمة الإدارية بباريس بتاريخ 8 أكتوبر 2020 ملف عدد 1822476/5-1، مرجعا أساسيا حاسما.
في هذه النازلة قضت المحكمة صراحة بأن:
“L’ordre des avocats de Paris est un organisme de droit privé chargé de la mission d’un service public. Figurent parmi les services publics administratifs، ses activités normatives، ses décisions à caractère financier notamment celles concernant la CARPA، ainsi que l’ensemble des décisions individuelles ou collectives liées à l’accès à la profession et à l’exercice de celle-ci.”
الترجمة النصية: نقابة المحامين بباريس شخص من القانون الخاص مكلف بمهمة مرفق عام. ومن الخدمات العامة الإدارية: أنشطتها التنظيمية، قراراتها المالية خاصة المتعلقة بصندوق CARPA المماثل لحساب الودائع، وكافة القرارات المتعلقة بالولوج إلى المهنة وممارستها.
لقد جعل هذا الاجتهاد الوثائق والعمليات المالية المرتبطة بتدبير حسابات هيئات المحامين، خاضعة لقواعد الوثائق الإدارية والرقابة. و من اللافت أن هذا الاجتهاد يتقاطع مع وضع نقابة الأطباء (Ordre des Médecins)، التي يعتبر تنظيمها ومراقبتها خدمة عامة منذ اجتهاد مجلس الدولة الفرنسي سنة 1943، حيث تمارس صلاحيات شرطة صحية ذات طابع عام.
اعتمدت المحكمة الفرنسية على معيار “الرابط المباشر الكافي” مع المهمة العامة لتحديد الوثائق التي تُعد إدارية وتخضع لقواعد الشفافية والاطلاع.
و في مصر، تعامل قرارات مجالس النقابات المهنية المحامين والأطباء مثلا، كقرارات إدارية خاضعة لرقابة محكمة القضاء الإداري، مما يؤكد الطابع العام الجزئي لنشاطها التنظيمي والمالي. وتكاد تكون نفس الفلسفة التي تسند الرقابة على مالية المهن الحرة في دول أوروبية عديدة منها إسبانيا وايطاليا وغيرهما.
الوسيلة الثانية: دستورية دور وزارة العدل في تنظيم مباراة الولوج إلى معهد التموين طبقا للمادة 11
أثير الجدل كثيرا حول تنظيم وزارة العدل لمباراة ولوج معهد تكوين المحامين طبقا للمادة 11 من القانون المذكور، وتم تفسير ذلك بكونه خرقا لمسألة التنظيم الذاتي للمهنة وحدا من استقلالية المهنة. غير أن التجربة المقارنة تثبت عكس ذلك، لاسميا في التجارب ذات التاريخ الطويل والرائد في تنظيم المهن الحرة وفي حماية الحقوق والحريات.
في إسبانيا مثلا، تنظم وزارة العدل الامتحان الوطني للولوج إلى المهنة، ولم تعارض المحكمة الدستورية الإسبانية هذا التنظيم، بل رسخته إلى حد بعيد. نفس الممارسة في إيطاليا نفس الشيء، يخضع الولوج إلى امتحان وطني تنظمه الدولة تحت إشراف وزارة العدل، ولم يتم اعتبار هذا الإجراء مسا باستقلال المهنة.
وبالتالي، فإن تنظيم وزارة العدل في المغرب للمباراة في قانون 66.23 ليس فيه ما يناقض الدستور أو الممارسة المهنية الشائعة عبر العالم، لأنه يندرج ضمن إطار ممارسة السلطة التنظيمية للمشرع، بهدف إلى ضمان جودة الخدمات وتفادي الوقوع في الفئوية أو الزبونية و احترام معايير الكفاءة، ولا يمس باستقلالية المهنة الذي يبدأ بعد التسجيل في جدول الهيئة المعنية وليس عند اجراء المباراة. كما أن الإجراء يتوافق مع مبدأ التناسب الذي تحدثنا عنه أعلاه، لكونه يخدم غاية مشروعة للدولة ولا يفرغ الاستقلالية المهنية من محتواها.
خاتمة
لا شك أن التدخل التشريعي له مبرراته وفلسفته، ولا يمكن اختزاله في كونه استهداف مهني، في الوقت الذي صارت سرعة التحولات في الذهنيات والوسائل تفرض إعادة صياغة العلاقة التاريخية بين المهنة والدولة على أساس التوازن والتكامل. فالمهن الحرة ليست كيانات منعزلة عن المجتمع وعن الدولة، كما أنها ليس فئات تنبثق عن السلطة السياسية، وإنما هي وسيط اجتماعي تاريخي بين الفرد و الجماعة أو بين الفرد والشخص والمواطن وبين المؤسسات. وحينما تتولى هذه الوساطة المهنية إدارة أموال ضخمة في ملكية الغير، أو تمارس مهام الدفاع عن حقوق المواطن، فإن الدولة بما تملك من ولاية عامة لصيانة حقوق رعاياها كواجب أكبر، فإنها من أجل أن تضمن عدم زيغ هذه الوساطة، التي صارت تكبر يوما بعد يوما وتتوسع، فإنها تراقبها في إكار خدمة مصلحة مواطنيها و بما يخدم المصلحة العامة، وأنه لا يمكن للدولة أن تحبس في خانة اللامبالاة أمام تدبير خاص قد يشوبه اختلالات متزايدة كما غيره من القطاعات الخاصة، وإلا صار وجود الدولة بلا معنى!
* دكتوراه في القانون العام والعلوم السياسية من جامعة محمد الخامس بالرباط.







