يواجه أمين التهراوي، وزير الصحة والحماية الاجتماعية الجديد في حكومة أخنوش، مهمة صعبة بعد ساعات قليلة من تعيينه، حيث تعود الأجواء الاحتجاجية لتخيّم على القطاع الصحي في المغرب. وبينما يُعتبر هذا التعيين جزءاً من التعديل الموسع الذي طال الحكومة، اختارت نقابات وتنظيمات مهنية في القطاع الصحي استقبال الوزير الجديد بحزمة من البيانات الغاضبة والمنددة والملوحة بالتصعيد، احتجاجاً على الوضع القائم، وتنصل وزارة الصحة من التزاماتها التي كانت موضع اتفاقات مبرمة مع الوزير السابق خالد آيت الطالب.
في هذا السياق، أعلن كل من التنسيق النقابي لقطاع الصحة، والنقابة الوطنية للصحة العمومية، والجامعة الوطنية للصحة، والنقابة المستقلة لأطباء القطاع العام، عن تنظيم احتجاجات واسعة النطاق للتنديد بالأوضاع المزرية التي يعيشها القطاع.
وتأتي هذه التحركات في ظل تدهور الظروف الصحية في المستشفيات، وهزالة التعويضات عن الحراسة وباقي المهام، بالإضافة الى نقص حاد في الموارد البشرية والمعدات الطبية، ما أدى إلى تفاقم الأزمة الصحية ورفع منسوب التوتر بين العاملين في القطاع.
ورغم خلفية التهراوي في مجال إدارة الأعمال، والتي قد تمنحه رؤى جديدة لتحسين الوضع الصحي، فإن النقابات عبرت عن مخاوفها من تكرار الأخطاء السابقة وعدم استجابة الحكومة لمطالبها الأساسية. إذ تطالب النقابات بزيادة الأجور، وتحسين ظروف العمل، وتعزيز الموارد البشرية في المستشفيات، إضافة إلى معالجة النقص في الأدوية والمستلزمات الطبية.
في المنحى ذاته، أعربت النقابات عن قلقها من التوجهات التي تضمنها مشروع قانون المالية 2025، حيث تخشى من أن يؤدي ذلك إلى التراجع عن الاتفاقيات السابقة التي تم التوصل إليها مع الحكومة. وترى النقابات أن هذه المخاوف قد تُفاقم من الأوضاع في القطاع الصحي وتؤدي إلى المزيد من الاحتقان، مما يجعل الحكومة أمام تحدٍ حقيقي يتطلب اتخاذ خطوات جادة وفعالة.
ارتباطًا بذلك، عبر التنسيق النقابي الوطني لقطاع الصحة عن تخوفاته الكبيرة بشأن بعض مقتضيات مشروع قانون المالية لسنة 2025، والتي لم تعكس، بحسبه، ما تم الاتفاق عليه مع الحكومة في 23 يوليوز 2024.
وفي بيان توصل به “نيشان”، أبدى المهنيون في القطاع قلقهم إزاء صياغة المقتضيات المتعلقة بالمناصب المالية، حيث جاءت بصيغة لا تؤكد الالتزام الحكومي بصرف الأجور من الميزانية العامة للدولة بمناصب مالية قارة. وذكر البيان أن مشروع قانون المالية يتضمن 6500 منصب مالي جديد مخصص لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية، وقد تمت كتابة هذه المناصب بشكل واضح في المشروع، مما يختلف عن بعض القطاعات الأخرى، مثل التربية الوطنية.
وأكد التنسيق النقابي أن إعداد مشروع قانون المالية يخضع لمسطرة زمنية محددة، مما يسمح بتعديل الصيغة قبل المصادقة النهائية.
وفي هذا السياق، أكد التنسيق النقابي تمسكه بالمضامين المتفق عليها مع الحكومة، خاصة فيما يتعلق بالوضعية القانونية والوظيفية للمهنيين. كما عبّر عن رفضه أي نوع من المراوغة أو التأويل فيما يتعلق بالنقطتين الأساسيتين في الاتفاق الموقع مع الحكومة، وهما الحفاظ على صفة موظف عمومي ومركزية الأجور.
وأوضح البيان أن الحفاظ على المكتسبات هو مبدأ دستوري وقانوني ملزم للحكومة تجاه الشغيلة الصحية. وبالإضافة إلى ذلك، عبّر التنسيق النقابي عن رفضه لما جاء في بعض مقتضيات قانون المالية 2025، حيث أشار إلى أن الحديث عن حذف المناصب المالية بعد مدة يهدد استقرار القطاع ويبعث على القلق. ودعا رئيس الحكومة ووزيرة المالية إلى التراجع عن تلك المقتضيات، مطالبًا بتعديلها الفوري حفاظًا على الحقوق المكتسبة والاستقرار المهني، مشددًا على أن المهنيين لا ينبغي أن يتحملوا ثمن التسرع والتنزيل الخاطئ لإصلاح المنظومة الصحية.
كما اعتبر التنسيق أن تغيير نمط تدبير قطاع الصحة في إطار مؤسسات عمومية استراتيجية لا يعني الإجهاز على المناصب المالية القارة بالقطاع. ودعا الحكومة، التي ترغب في إصلاح قطاع الصحة، إلى اتخاذ خطوات تحفيزية فعلية وعاجلة لمهنيي الصحة، بدلاً من خرق أول نقطة في الاتفاق وخلق شروط جديدة للاحتقان في القطاع.
إضافة إلى ذلك، تشهد مواقع التواصل الاجتماعي تحركات نشطة، حيث أطلق نشطاء حملات للمطالبة بإصلاح جذري في القطاع الصحي، مشددين على أهمية استماع “الوزير الجديد” لمطالب الشغيلة الصحية، والعمل على الاستجابة اليها تفاديا لمزيد من الاحتقان، الذي لن يكون في صالح المغاربة، الذين قد يجدون انفسهم مرة أخرى في مواجهة شلل المستشفيات، مع ما لذلك من تداعيات خطيرة على الوضع الصحفي في البلاد، وعلى تنزيل وتفعيل ورش الحماية الاجتماعية وتعميم التغطية الصحية.
وفي ظل هذه الأجواء المشحونة والمحتقنة، يظل السؤال عالقًا: هل سيكون الطهراوي قادرًا على تجاوز هذا الوضع وإنهاء حالة الاحتقان، أم أن الأيام القادمة ستزيد من تعميق الأزمة بشكل أكبر؟







