بداخل ثلاجة البرلمان، تقبع ومنذ سنوات طويلة مشاريع قوانين فسد بعضها من كثرة الأيادي التي عبثت بها. الأمر لا يقتصر فقط على تجريم “الإثراء غير المشروع” الذي تم إعدامه بعد أن أيقنا معه أننا أمام نخبة سياسية سوادها فاسد، بل بعدد من مشاريع القوانين، ومنها قانون النقابات التي تم دفنه، خاصة بعد الرأي الذي أصدره المجلس الاقتصادي والاجتماعي.
رأي كشف ومن جديد حقيقة أننا أمام تنظيمات تحولت إلى ضيعات لبعض المتقاعدين الذين يراكمون من خلال الاستعانة بالكلاب والبلطجية ولاية تلو أخرى، في ظل انعدام شبه تام للشفافية المالية..
نقابات غرقت في الريع، وتحولت لجزر خاصة لزعماء خالدين راكموا الثروات والامتيازات لهم ولأبنائهم ومقربيهم، فيما تكتفي الحكومات بالاحتفاظ بـ”سوط” قانون النقابات لتمرير عدد من القرارات والتدابير التي يدفع المغاربة ثمنها في نهاية المطاف، وهو سوط لن تتردد في استخدامه مع تصاعد الجدل بشأن مشروع قانون الإضراب.
هذا المشهد يفسر مسرحية الحوار الاجتماعي التي تنتهي باتفاقات عرجاء تمنح للموظفين زيادات بـ”التقطيرة”، وهي زيادات تعيد الحكومة استرجاع قيمتها مضاعفة من خلال الاقتطاعات، والنفخ في نار الغلاء في بلد صار فيه كيلو لحم بـ160 درهما بعد أن كان أربع سنوات فقط بـ60 درهما.
قانون النقابات يمثل غولا مخيفا لهؤلاء الذين أصبحوا مثل الخفافيش يخشون ضوء الشفافية الذي يهدد بكشف حقيقة التصرف في ملايير النقابات، وممتلكاتها وريعها، وسيفتح العلبة السوداء للتدبير المالي الذي جعل بعض النقابيين يراكمون ثروات فاحشة تحت غطاء النضال من أجل حقوق “المستخدمين والمقهورين”.
مشروع هذا القانون تم تغييبه لصالح مشروع قانون الإضراب، وقد يُرمى من جديد في ملعب الحكومة المقبلة. وسنظل سنتابع هذه اللعبة رغم أن نتيجتها معروفة ومحسومة، بعد أن سبق لأحد الأحزاب أن فضح نهايتها، وتحدث عن ابتزاز الحكومة للنقابات من خلال هذا القانون، وهو دليل آخر على أن عددا من الأمور المهمة في هذا البلد صارت تحسم بصفقات تحت الطاولة.
هنا لابد للعودة لما قاله رئيس الحكومة السابق، والذي شدد على أن زمن الفساد والتسيب المالي داخل النقابات يجب أن ينتهي، وأن هذه الأخيرة ستصبح ملزمة بتقديم ما يثبت أوجه صرف الدعم التي تحصل عليه من المال العام.
كما قال ردًا على المطالب الداعية لتنفيذ ما تبقى من اتفاق 26 أبريل إن “أهم ما تبقى فيه هو قانون النقابات، التي ستصبح ملزمة بتقديم حساباتها للمجلس الأعلى، كما هو شأن الأحزاب”، منبهًا إلى عدم وجود قانون يلزم النقابات بديمقراطية داخلية معينة تكفل “انضباط مواعيد المؤتمرات، وتحديد ولايات الأمناء العامين”.
لقد وُجهت دعوة تلو أخرى من طرف أعلى سلطة في البلاد من أجل إفساح المجال لوجوه جديدة يكون بمقدورها مسايرة وفهم التحولات السريعة التي جعلت الشارع أكبر فاعل سياسي، لكن ما نعاينه اليوم هو إصرار نفس “القماقم” التي كبر معها جيل من المغاربة على الالتصاق والتنقل بين المناصب، والرضاعة من ثدي الامتيازات والريع، لأن الفطام صعب، وشاق، ومؤلم للغاية، خاصة بالنسبة لمن غرف دون حسيب ولا رقيب من المال العام.
الدليل هي الاحتفالات الجنائزية التي تتورط فيها النقابات كل فاتح ماي، مع ما يرافقها من خطب ميتة لعدد المتقاعدين الذين ودعوا العمل قبل انهيار حائط برلين، ومع ذلك لازالوا ينصبون أنفسهم ولاية بعد أخرى على رأس نقابات تستعين بالبلطجية والهراوات والكلاب في مؤتمرات العهدة الرابعة والخامسة.
وجوه ترقد على ثروات، وممتلكات بالملايير، مقابل استمرارها في بيع الوهم والكلام عن النضال وحقوق الشغيلة، وذلك بفضل قبعة النقابة التي صارت في هذا الزمن الرديء أصلاً تجارياً يمكن صاحبه من الارتقاء السريع مادياً واجتماعياً، ومن إبرام الصفقات تحت الطاولة وفوقها، كما يمكنه من مجاملة الدولة والحكومة بأجور الموظفين وحقوقهم، مقابل إبقاء قانون النقابات في الثلاجة حتى لا ينكشف حجم الفساد اللذيذ الذي يغرفون منه.
هنا لابد من تذكير رئيس الحكومة السابق من جديد بما تعهد به دون أن يلتزم به حين قال إن “زمن الفساد والتسيب المالي داخل النقابات يجب أن ينتهي “.
نتحدث عن السي العثماني، أما السي أخنوش فهو غير معني بتاتا بأي حديث عن الفساد، بل إن إثارة هذا الموضوع يتسبب له، وللحكومة بحالة من الهيستيريا كما وقع بعد نشر تقرير هيئة النزاهة…
كما أن أخنوش لن يفرط في حرق “جوكر” يجعله يجر قبيلة الزعماء النقابيين في كل مرة لتوقيع اتفاق أو مشروع قانون مكتوب بهوى الحكومة …كما هو حال مشروع قانون الإضراب…
والأيام بيننا..







