بدأت ملامح المعركة الانتخابية المقبلة في المغرب تتشكل قبل أسابيع من موعدها الرسمي، بعدما تحولت حصيلة حكومة عزيز أخنوش إلى محور رئيسي للسجال السياسي بين المعارضة والأغلبية. ففي الوقت الذي تراهن فيه أحزاب المعارضة على مساءلة الحكومة بشأن ملفات الغلاء والقدرة الشرائية والحوار السياسي، تسعى مكونات الأغلبية إلى الدفاع عن منجزاتها خلال الولاية الحالية وإقناع المغاربة بأن الإصلاحات التي باشرتها تحتاج إلى مزيد من الوقت حتى تؤتي ثمارها.
هذا المشهد السياسي رصدته صحيفة “القدس العربي”، التي اعتبرت أن الانتخابات التشريعية المرتقبة في 23 شتنبر المقبل انطلقت فعليًا من داخل البرلمان، قبل انتقالها إلى الشارع وصناديق الاقتراع، في ظل احتدام السجال السياسي بين مختلف الفاعلين استعدادًا للاستحقاقات المقبلة.
ومع اختتام الدورة التشريعية الأخيرة لمجلس النواب، رفعت المعارضة من سقف انتقاداتها لأداء الحكومة، متهمة إياها بعدم التفاعل الكافي مع آليات الرقابة البرلمانية وتجاهل عدد من انشغالات المواطنين المرتبطة بالأوضاع الاجتماعية والاقتصادية.
ووفق ما أوردته “القدس العربي”، سجل الفريق الاشتراكي – المعارضة الاتحادية أن آلاف الأسئلة الشفوية والكتابية التي تقدم بها النواب لم تتلق أجوبة من الحكومة، من بينها نحو 1400 سؤال تقدم بها الفريق نفسه، شملت ملفات آنية ومستعجلة، وهو ما اعتبرته المعارضة مؤشرًا على ضعف التفاعل مع المؤسسة التشريعية ومطالب المواطنين.
كما انتقدت مكونات المعارضة الغياب المتكرر لعدد من أعضاء الحكومة عن جلسات الأسئلة الشفوية بمجلس النواب، إذ شهدت آخر جلسة غياب سبعة وزراء يشرفون على قطاعات حيوية، من بينها الصحة والحماية الاجتماعية، والشباب والثقافة والتواصل، والتضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، والطاقة والتنمية المستدامة، والتعمير والإسكان.
ولم يسلم رئيس الحكومة عزيز أخنوش من انتقادات المعارضة، التي اعتبرت أن حضوره جلسات المساءلة الشهرية لم يكن في مستوى الانتظارات، مشيرة إلى أنه شارك في 26 جلسة فقط من أصل 36 جلسة خصصت لهذا الغرض خلال الولاية الحكومية الحالية. كما تساءلت أصوات معارضة، خلال الجلسة الختامية للدورة البرلمانية، عما إذا كانت الحكومة قد استفادت من “التقاعد المبكر”، في إشارة ساخرة إلى ما وصفته بضعف تفاعلها مع عدد من الملفات التي تؤرق المغاربة، وعلى رأسها ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية.
وترى المعارضة أن الحكومة اعتمدت، خلال السنوات الخمس الماضية، على منطق الأغلبية العددية أكثر من اعتمادها الحوار السياسي والتوافق المؤسساتي، سواء داخل البرلمان أو في علاقتها بالنقابات والفاعلين الاجتماعيين، الأمر الذي انعكس – بحسبها – على المبادرات التشريعية التي تقدمت بها فرق المعارضة، والتي بقي عدد منها حبيس اللجان البرلمانية أو جرى رفضها بفعل التفوق العددي للأغلبية.
وفي هذا الإطار، انتقد رئيس الفريق النيابي لحزب التقدم والاشتراكية، رشيد حموني، ما وصفه بهيمنة الأغلبية على المؤسسة التشريعية، معتبرًا أن المعارضة قدمت تعديلات موضوعية على عدد من مشاريع القوانين، غير أن الحكومة اختارت الاحتكام إلى منطق الأغلبية العددية بدل الحوار والتوافق، قبل أن تعود بعض النصوص إلى البرلمان بعدما أسقطت المحكمة الدستورية مقتضيات منها.
كما اعتبر حموني أن عددًا من الآليات الدستورية المرتبطة بالرقابة البرلمانية أصبحت شبه معطلة، من بينها لجان تقصي الحقائق وملتمس الرقابة، بسبب الشروط العددية اللازمة لتفعيلها، وهو ما أضعف – بحسبه – الدور الرقابي للمؤسسة التشريعية وجعل المعارضة عاجزة عن ممارسة عدد من صلاحياتها الدستورية.
وفي مقابل تصاعد خطاب المعارضة، يبرز موقف حزب الاستقلال، أحد مكونات الأغلبية الحكومية، باعتباره من أكثر المواقف السياسية إثارة للانتباه خلال الأشهر الأخيرة. فرغم مشاركته في الائتلاف الحكومي إلى جانب حزبي التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة، لم يتردد أمينه العام نزار بركة في الإقرار بتضرر القدرة الشرائية للمواطنين خلال السنوات الخمس الماضية بفعل الارتفاع القياسي لأسعار المواد الغذائية، رغم الإجراءات الاجتماعية التي اتخذتها الحكومة، محملًا جزءًا من المسؤولية للتبعية للاستيراد والسياسات الزراعية.
ويرى متابعون أن الخطاب الذي بات يتبناه حزب الاستقلال خلال الفترة الأخيرة يعكس محاولة للموازنة بين موقعه داخل الأغلبية الحكومية والحفاظ على هامش سياسي يتيح له التمايز عن حلفائه قبيل الانتخابات المقبلة، خاصة في ظل اشتداد المنافسة السياسية على أصوات الناخبين.
ويبدو، بحسب قراءة “القدس العربي”، أن المعركة الانتخابية في المغرب انطلقت بالفعل قبل موعدها الرسمي، إذ تراهن المعارضة على تحويل الانتقادات الموجهة للحكومة بشأن الغلاء والقدرة الشرائية وآليات الحوار السياسي إلى رصيد انتخابي خلال استحقاقات شتنبر المقبل، فيما تتمسك أحزاب الأغلبية بالدفاع عما تعتبره منجزات وإصلاحات كبرى تحتاج إلى مزيد من الوقت حتى تظهر آثارها على الواقع المعيشي للمغاربة.
وبين رهان المعارضة على مساءلة الحكومة بشأن وعودها الانتخابية وحصيلتها السياسية والاجتماعية، وتمسك الأغلبية بخطاب المنجزات والإصلاحات، تبدو الطريق إلى انتخابات شتنبر المقبل معبدة بمزيد من السجالات السياسية التي لن يكون عنوانها الأبرز سوى سؤال الحصيلة، ومدى قدرة كل طرف على إقناع الناخب المغربي بخياراته في محطة انتخابية تلوح ملامحها في الأفق منذ الآن.







