1- رأيت نهاية العالم القديم
لو عاد شخص من الثمانينيات أو التسعينيات وشاهد التحولات التي عرفها العالم خلال العقود الأخيرة، لوقع له مثل بطلة فيلم “وداعا لينين”، التي دخلت في غيبوبة على العهد الشيوعي واستيقظت بعد انهيار جدار برلين، ولتجنيبها الصدمة، أخفت عليها العائلة الموضوع، وأبقت على مظاهر العالم القديم، مما حول الفيلم الى سلسلة من المواقف الساخرة والطريفة…
لقد تغير العالم بسرعة قياسية في السنوات الأخيرة. تحديدا، منذ ظهور الانترنيت والهاتف المحمول، وصولا إلى وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي واختراع أوبر وأمازون والشغل عن بعد…ميساجات واتساب عوضت الرسائل الخطية ،التي كنا نضعها في الأظرفة الصفراء، و”الإيموجيات” أخذت مكان “لا ينقصنا إلا النظر في وجهكم العزيز”، والبقية تأتي. التحولات الجذرية أصبحت بادية للعيان، ومؤسفة أحيانًا، ليس فقط للمصابين بالنوستالجيا. في باريس مثلا، معظم الأكشاك الجميلة التي كانت تعرض الصحف والمجلات والكتب، تحولت إلى محلات لاستلام وتسليم طلبيات أمازون. الكراتين البشعة احتلت مكان الصحف والمجلات الأنيقة. جلّ المكتبات اختفت، وتركت مكانها لمحلات الملابس والمقاهي والمطاعم، التي تشبه غيرها في كل العواصم العالمية. اندثرت مكتبات سان جيرمان ديبري ونبتت مكانها محلات بوس وأغماني وساندرو وستاربوكس… وغزا السياح مقهى فلور وليدوماغو، ولم يعد أحد يقرأ الجريدة الورقية، إلا بعض الديناصورات التي تقاوم الانقراض.
في المترو لم تعد تجد أحدًا يمسك في يده كتابا. الجميع ينظر الى بورتابله ويضحك أو يحرك حاجبيه وعضلات وجهه. البعض يتحدث لوحده، كأنه أحمق. حين تدقق تكتشف أن في أذنيه سماعات، وهو بصدد الحديث بالتلفزيون مع شخص آخر. فيما مضى، أكثر شيء كنت تراه في وسائل النقل الفرنسية هو الكتاب. لقد تغيرت العادات، وتقلصت المسافات، وتجمدت العلاقات الانسانية. التاريخ يمشي، وأحيانًا يقفز. لقد رأينا نهاية العالم القديم وتشكُّل عالم جديد، يتوغل بنا كل يوم نحو المجهول.
2- أخيرا سقط الثلج!
أخيرا سقط الثلج. غطى قمم الجبال والطرقات الفاصلة بين المدن الأطلسية، وتسبب في تعليق حركة السير. وراء بياضه البريء، يخفي الثلج وجها بشعا لا يعرفه إلا البؤساء الذين يعشون في الجزء الأقسى من الجغرافيا، خارج حسابات الدولة، حيث يتحول الصقيع إلى وحش يعيث فسادا في الأرض ويحصد الأرواح، بلا شفقة أو رحمة، رغم الشعارات و”المستشفيات الميدانية” التي تقام في نشرات الأخبار، بعد فوات الأوان..
نحن الذين عشنا في «العصر الجليدي» نعرف حجم المأساة، ومعاناة الأسر الفقيرة لتوفير حطب التدفئة، كيلا يموتوا من البرد. ميزانية إضافية تثقل كاهل العائلات كل شتاء. الدولة لا يعنيها ذلك، لم تفكر يوما في وضع نظام دعم أو مساعدة لفائدة مواطنين يخوضون معركة مصيرية مع الطبيعة. حتى وزارة التربية الوطنية لا تصنع شيئا لتأمين الدراسة، وسط هذه الظروف القاسية، إذا أراد التلاميذ مواصلة التحصيل، عليهم أن يجلبوا الحطب من بيوتهم لتدفئة الفصل. يحمل التلميذ محفظة في يد وعود حطب في الأخرى ويأتي للمدرسة. أيادي الصغار تظهر عليها نتوءات زرقاء بسبب البرد، والدموع تتجمد على الخدود، وكثير من الأمراض المزمنة تتسلل إلى الأجساد النحيلة في وقت مبكر. في الوقت الذي ينعم به المحظوظون بالدفء وكل وسائل الراحة، ويأخذون صورا مع “البونوم دونيج” بعيونه السوداء وابتسامته الصفراء في إفران…
قليلة هي الأصوات التي تدافع عن مغاربة «العصر الجليدي»، لأنهم يعيشون في تلك الجغرافيا التي صنفها الاستعمار ضمن «المغرب غير النافع»، وليس من عادتهم الشكوى والتظلم، والنواب الذين يفترض أن يدافعوا عن قضيتهم يسكنون في فيلات مكيفة بالرباط.
“لِمَ يصلح الثلج؟” تساءلت الشاعرة اللبنانية-الفرنسية فينوس خوري-غاتا في إحدى قصائدها قبل أن تجيب: “لمسح الأرض وإعادة كتابتها بشكل صحيح”….
ما أحوجنا إلى إعادة كتابة هذه البلاد بشكل صحيح!
3- “رأس” السنة
هاهي سنة أخرى تطل برأسها الغبي. رأس مليء بالصخب والليل والسهر، رأس دائخ لعبت به الكؤوس وأتعبته قلة النوم، رأس يدور في كل الاتجاهات كي لا يقال عنه “كدية”، رأس تسقط عليه الفأس في الواحد والثلاثين من ديسمبر، ويتركنا نحصي المشاريع التي أجلنا، والمواعيد التي أخلفنا، والذنوب التي اقترفنا، والهواتف التي أهملنا، والأحباب الذين نسينا… ونكتشف أن الأوان قد فات، وأن “الفاس طاحت فالراس”. هناك من يشرب نخب هذا الرأس الأشعث، هناك من يرثيه بالقصائد والخواطر، ثمة من يشعل من أجله الشموع، ثمة من يفتح الشامبانيا، من يوزع الهدايا، ومن يقف في صف طويل كي يشتري “حلوى دلاكريم”، ثم يجلس أمام التلفزيون ليشاهدهم وهم يشيعونه إلى مثواه الأخير، في جنازات صاخبة، على وقع الموسيقى والقفشات.
هذا الرأس أم هذه الرأس؟ لأسباب نحوية غامضة، يؤنث “الرأس” ويذكر أو تؤنث وتذكر. “الرأس” خنثى… رأس السنة أم رأس العام؟ السنة مومس في بار حقير بآخر الليل، والعام منحرف يقطع الطريق في مدينة بعيدة، يفتش “عن رأسه” في علب الليل والأزقة المعتمة.
رغم أن للسنة رأسا فإنها لا تفكر، ولا تتوقف عن ارتكاب الحماقات. كما للجبال أقدام ومع ذلك لا تمشي، لأنها مصابة بالروماتيزم، جراء كل الثلوج التي سقطت عليها منذ سقوط آدم. وللسماء كبد، لكنها مصابة بالتشمع، كبد مثقوبة، فتك بها السرطان، تخضع لعلاج يومي بالأشعة، حين تكون “الشمس في كبد السماء”. وللإعصار عين، عين واحدة مثل جان سيلفر، ومثل كل القراصنة الذين يفتشون عن الكنز، ويغرقون كثيرا من السفن قبل الوصول. وللندم بنان يسيل منه الدم هذه الأيام… لقد ضيعنا فرصا كثيرة، في 2024، ولم يبق لنا إلا أن “نعض بنان الندم” ونحن نودعها كما ودعنا العالم القديم.







