كنا نعتقد أن فرعون ونيرون وهولاكو، وغيرهم من الطغاة، النائمين في ليل التاريخ، لا يوجدون إلا في العصور السحيقة، وها هو الله أحيانا حتى رأينا واحدا منهم على رأس أقوى امبراطورية في العالم، بشعر أصفر وكرافاتة حمراء وأفكار حولاء…
العالم كله حائر ومصاب بالدوار. لا يعرف هل يأخذ دونالد ترامب على محمل الجد أم يعتبر تصريحاته مجرد خرجات ساخرة؟
كثيرون يأملون أن يكون ما يردده رئيس الولايات المتحدة الأمريكية مجرّد زلات لسان، وتصريحات غير دقيقة، أو مزايدات لرفع السقف، قبل التفاوض، وأن ذلك كله سيجري تداركه في الأيام المقبلة… لكنّ الرجل يبدو واثقا من كلامه، يكرره، ويشرحه بالتفصيل الممل، ويضيف بعض البهارات، كلما تحلق حوله الصحافيون. رئيس لم يشهد له التاريخ مثيلا، يوقّع القرارات أمام عدسات الكاميرا، ويهدد الخصوم والحلفاء على حدّ سواء، ويخرج كلّ مرة بفكرة لم تخطر على بال الشيطان!
في 2025، يريد دونالد ترامب أن يُلحِق بلدا مستقلا منذ 1867، عدد سكانه أربعون مليون، بالولايات المتحدة الأمريكية، رغما عنه. إما أن تصبح كندا الولاية الأمريكية الواحدة والخمسين، أو يمنع عنها المساعدات، ويسحب عنها مظلة الدفاع، ويدمر اقتصادها… باختصار، يستعمل الوعيد والتهديد كي يخيف الكنديين، ويُخضِع بلادهم لحكم الولايات المتحدة الأمريكية. في القانون الدولي، تسمى هذه المطامع التوسعية “احتلالا” و”استعمارا”!
ترامب يريد أيضا “استعمار” جزيرة “غرونلاند”، بكل بساطة. رئيس الولايات المتحدة الأمريكية ينوي السطو على أرض أوربية، تحكمها الدنمارك منذ 1721، دون أن يرفّ له جفن. الأوربيون مصابون بالبهتان، ولا يعرفون كيف يتصرفون مع حليفهم، الذي لا يعترف بالمواضعات السياسية والأخلاقية والقانونية.
يريد ترامب أيضا أن يستحوذ على قناة بنما التي تربط المحيطين الهادي والاطلسي، وتعتبر من أهم المعابر التجارية في العالم، فقط لأنه غير راض على طريقة تسيير المعبر، وعلى تعاظم النفوذ الصيني هناك. علما أن بنما استعادت قناتها من الولايات المتحدة الأمريكية عام 1977، بعد مفاوضات شاقة مع جيمي كارتر، والقانون الدولي يمنحها السيادة الكاملة على المعبر. لكن ترامب لا يحفل بالقانون، خصوصا عندما يكون دوليا، ولا يزعجه أن يعيد عقارب الساعة خمسين عاما إلى الوراء، مادام يملك القوة لفعل ذلك!
وفي الوقت الذي يتقطع فيه قلب الشرفاء والأحرار في العالم أمام مشاهد الدمار وإبادة البشر والحجر والشجر في قطاع غزة، لم ير ترامب في المأساة الفلسطينية إلا فرصة ذهبية لمستثمر عقاري. أسالت لعابه المباني المهدمة عن بكرة أبيها، ويريد أن يستحوذ على الأرض بأي شكل، كي يبني كازينوهات ومنتجعات سياحية على جثث خمسين ألف فلسطيني. يريد أن يشتري غزة… ممن؟ من إسرائيل أو من محمود عباس أو من حماس… المهم أن يستولي عليها، وليس باسم الولايات المتحدة الأمريكية، بل لحسابه الخاص. حين يردد أن إعادة الإعمار ستستغرق بين 10 و15 سنة، معنى ذلك أنه ينوي التفرغ للمشروع بعد خروجه من البيت الأبيض. حتى نتانياهو، بكلّ خبثه ومكره، بدا مندهشا من نوايا الرئيس الطماع، رغم فرحته بهدية “تهجير الفلسطينيين”، التي تخطّت أحلام اليمين المتطرف الإسرائيلي!
طبعا، المليوني فلسطيني يتكفل بهم الحلفاء العرب، خصوصا مصر والأردن، ورأيهم غير مهم، سيقبلون يعني سيقلبون! ولم ينس أن يطمئن الأمريكيين بأن الولايات المتحدة الأمريكية لن تصرف دولارا واحدا على إعادة الإعمار، بل ستتكفل بذلك دول الخليج الغنية. منتهى العنجهية والوقاحة!
ترامب متخصص في إحراج الحلفاء. لا يُقِرُّ بوجود حلفاء أصلا. لا يعترف إلا بالمصلحة في صيغتها الفجة. لا ينظر إلى العالم كسياسي بل كمقاول في العقارات، يملك ما يكفي من قوة كي يحمي مشاريعه. لا يعرف شيئا اسمه الأخلاق أو القانون، يؤمن بميزان القوى فقط!
المفارقة أن عنجهية الرئيس الأمريكي تسببت لأول مرة، منذ سنوات، في توحيد الموقف العربي. كل الدول العربية قالت له: لا، بصوت واحد. كما ستؤدي قراراته الطائشة إلى رصّ الصف الأوربي، وميلاد “أوربا الدفاعية”، التي لم يستطع الفرنسيون لحد الآن فرضها على حلفائهم في القارة العجوز…
ترامب أكبر امتحان للغرب منذ الحرب العالمية الثانية. أضرم النار في كل القيم التي بُنِيَ عليها النظام العالمي بعد هزيمة النازية، وسلّم شهادة وفاة رسمية للمؤسسات الدولية التي تضمن الاستقرار. ومثلما فرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية، وانسحب من مجلس حقوق الإنسان، يمكن أن يغادر الأمم المتحدة ومجلس الأمن، غدا، ويفرض “قانونه” على بقية العالم، باعتباره الأقوى عسكريا واقتصاديا. قانون الغاب. ما فعله بوتين في أوكرانيا يبدو لعب أطفال مقارنة مع ما يمكن أن يفعله ترامب. الرجل لا يصغي الا لنزواته، ولا يعترف بالمواضعات السياسية، ويستخف بالقانون.
لم نشهد نوايا توسعية من هذا القبيل منذ الحرب العالمية الثانية، على يد هتلر، الذي كان يفتش -مثله- عن مجال حيوي للرايخ الثالث، وضم إقليم السوديت والنمسا وعددا من الدول الى ألمانيا، أمام سكوت بقية العالم، الذي اختار سياسة النعامة، إلى أن اقتربت منه النار، واندلعت الحرب العالمية…
الحاصول، كما قال الفيلسوف الشهير:
“الحمد لله الذي نجّانا وأغرق فرعون!”
مجنون يلعب بالأزرار!







