أيام الأبيض والأسود، لم تكن مشاهدة التلفزيون في رمضان تقل “قداسة” عن صلاة التراويح، هكذا كان يخيل إلينا ونحن نشاهد تلك المسلسلات الدينية من قبيل “محمد رسول الله”، و “موسى بن نصير” و”تحت ظلال السيوف” و”عمر بن عبد العزيز”… خصوصا أنها كانت تُتبع ب”المسيرة القرانية”، وما أدراك ما المسيرة القرآنية، ستون حزبا في ثلاثين ليلة، بأصوات تجبرك على الخشوع. كانت في بيوت المغاربة قناة واحدة، اسمها “الرباط”، وكان محمود ياسين وعفاف شعيب وعبد الله غيث أفرادا من العائلة، يجلسون معنا في الفطور و العشاء والسحور. لم نكن قد دخلنا عصر “السيتكومات” التي تريد أن تضحّك “شاربي الحريرة” بالقوة، مستعملة ترسانة من القفشات السمجة والنكات الحامضة، على إيقاع قهقهات مسجلة تجعلك تفكر جديا في رفع “يد المهراز” و”التشيار” بها في اتجاه التلفزيون…
كل ليلة ننتظر “المسلسل العربي” بفارغ الصبر، التسمية التي كانت تطلق على الدراما المصرية في ذلك الزمان: “الشهد والدموع” و”المال والبنون” و”الراية البيضا” و”رحلة ابو العلا البشري” و”أحلام الفتى الطائر” و”دموع في عيون وقحة”… وحدها أغنية الجينيريك تسافر بك في الزمن. المغرب كله يتنفس على إيقاع زفرات البطل. كلما دخلت الاحداث منعطفا خطيرا، تتبلل العيون عن آخرها، وسط العتمة. أحيانا يتعطل البث دون سابق إنذار، فتصاب المملكة كلها بالانهيار. الكبار يرسلون الصغار كي يسألوا الجيران ان كان التلفزيون معطلا عندهم أيضا، ليتأكدوا أن المشكلة ليست من جهازهم الضخم بل “من الرباط”، أي أن الخلل يتعلق بالإرسال الوطني أو الجهوي. عندما يكون العطب في جهاز التلفزيون يكفي أن تنزل عليه بضربة مباغتة كي يستأنف عمله. كل الاجهزة الالكترونية في البيوت المغربية تحتاج الى الضرب المبرح كي تستأنف العمل، مثل أجيال كامل من المغاربة الذين شبعوا ضربا على سبيل التربية. اذا لم ينفع الضرب معناه أن “بولة” ما قد “احترقت”، ولا بد من نقل التلفاز الى محل لإصلاحه. البيت كله يصاب ساعتها بالكآبة والحزن، لأن العملية تستغرق عدة أيام. تودع الأسرة الجهاز الذي ينقل إلى مصلح التلفزيونات بوجوه مكفهرة وسحنات تعلوها الحسرة، كأنها تشيع ميتا أو تنقل مريضا إلى المستعجلات.
أشهر مسلسلات تلك الحقبة بلا منازع هو “محمد رسول الله”، الذي يحكي قصص الأنبياء، من آدم عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم. تبدأ الحلقات بأغنية تشبه الدعاء: محمد يا رسول الله، يا حبيب الله… تليها آية مهيبة: “لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله”… بصوت محمود ياسين الجهوري. محمود ياسين الذي كان يمثل كل الأدوار تقريبا، متنكرا في كل مرة، أحيانا يلبس باروكة وأحيانا يظهر أصلع وأخرى يدهن وجهه ب “الفاخر” كي يؤدي دور أبرهة الحبشي…
في إحدى السنوات، شمّر التلفزيون المغربي عن ساعديه وقرر منافسة المصريين في الإنتاج الرمضاني. النتيجة كانت مسلسلا من ثلاثين حلقة اسمه “ادريس الأكبر”. المشكلة أنه بدل اللجوء الى ممثلين محترفين أتوا بشخص علاقته الوحيدة بالموضوع أنه يحفظ الأحاديث النبوية، أمضى ثلاثين حلقة جالسا على “سداري” من “الموبّرا” يحدث جماعة من الممثلين المتحلقين حوله: “قال الله تعالى وقال الرسول صلى الله عليه وسلم”… وهم ينصتون، فيما نحن نردد من بيوتنا: “ليته سكت!”… الاحداث تدور في القرن الثامن الميلادي، اثناء تأسيس دولة الأدارسة على يد حفيد النبي، الهارب من “موقعة فخ”. كان “ادريس الأكبر” يظهر في بعض الحلقات “ناشرا” رجليه في الهواء الطلق وجنبه المولى راشد، وحولهما أمازيغ أوربة، ينصتون باهتمام مصطنع الى أحاديثه، وبالقرب منهم تمر شاحنة يسمع هديرها بوضوح. في إحدى الحلقات، رأينا عمود كهرباء في الشارع الذي يفترض أنه مدينة “وليلي” التي سكنها مولاي إدريس بعد أن بايعته القبيلة الأمازيغية وزوجته ابنتها كنزة… الكهرباء ظهرت في عهد الادارسة!
اليوم، بسبب الثورة الرقمية وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، فَقَدَ التلفزيون دوره المركزي في حياة المغاربة، ولم يعد كثير منهم يتابع ما يسمى بالمنتوجات الدرامية الرمضانية، كما كان عليه الحال في السنوات الماضية، خصوصا من الأجيال الجديدة، كثير منهم يتجول بين القنوات العالمية وعلى مختلف المنصات، فيما يفضل معظمهم الألعاب الإلكترونية… رغم ذلك لم تغير القنوات الوطنية مقاربتها في البرمجة الرمضانية، كأن الزمن متوقف، ومازالت تصرف الجزء الأكبر من ميزانيتها على أعمال متشابهة، يفتقر معظمها للحد الأدنى من الإبداع، ولا يساير العصر، لكنه يسمّن حسابات خمس أو ست شركات إنتاج، تضرب “الهمزة” وتفرق الفتات على الطاقم الفني من ممثلين ومخرجين، وتتركهم عرضة لشتائم الجمهور. الكل يركز على دنيا بوتازوت وعبد الله ديدان، لأنهما يشتغلان في أكثر من عمل، ولا أحد ينتبه إلى الشركات التي تحتكر كل الأعمال الرمضانية في القناتين، والأرقام الفلكية التي تجني من وراء ذلك، مقابل إنتاجات تصيب من يشاهدها بالضغط والسكري… مسلسل رديء يتكرر من سنوات، حان الوقت كي نشاهد حلقته الأخيرة!
الحلقة الأخيرة







