تشهد القارة الأوروبية في السنوات الأخيرة صعودًا ملحوظًا لأحزاب اليمين بمختلف تلاوينه سواء المحافظ أو المتطرف في العديد من الدول، حيث باتت هذه الأحزاب تشكل قوة سياسية مؤثرة في المشهد السياسي.
هذا الصعود لم يأتِ من فراغ، بل نتيجة تزايد المخاوف الاقتصادية والأمنية، بالإضافة إلى الخطابات الشعبوية التي تركز على قضايا الهجرة والهوية الوطنية.
وقد نجحت هذه الأحزاب خلال الانتخابات التشريعية الاخيرة في الوصول إلى الحكم أو تشكيل حكومات ائتلافية في دول مثل إيطاليا والسويد والنمسا، وهولندا مما أدى إلى تغيير الأولويات في السياسات الحكومية العامة.
مع وصول أحزاب اليمين الى الحكم، بدأت الحكومات الأوروبية في تبني ما يُعرف بـ”حكومات الحرب”، حيث أصبح التركيز الأساسي على تعزيز الأمن القومي والاستعداد للتحديات الجيوسياسية.
ونتيجة لذلك، شهدت ميزانيات الدفاع زيادة كبيرة، حيث خصصت العديد من الدول ما يصل إلى 2.5% من إجمالي الناتج المحلي لتطوير قدراتها العسكرية.
تأتي هذه الزيادات في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية، خاصة مع روسيا والصين، و مع نهاية مفهوم السلام الأميركي الذي ضمن لوقت طويل السلام والأمن والحرية في أوروبا.
وقد أثار هذا التوجه جدلاً واسعًا، حيث يرى مراقبون أن زيادة حجم الإنفاق العسكري وسياسة التقشف، يأتي على حساب الدولة الاجتماعية التي سادت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، مما يؤدي إلى تقليص الإنفاق على التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية.
تأثير هذه السياسات اليمينية لم يقتصر على الشؤون الداخلية، بل امتد ليشمل المهاجرين، فقد أصبحت السياسات المتعلقة بالهجرة أكثر تشددًا، مع فرض قيود صارمة على التأشيرات و اللجوء وتقليص فرص الاندماج.
وفي ظل هذه الأجواء، يواجه المهاجرون تحديات متزايدة، بما في ذلك التمييز في سوق العمل وصعوبة الوصول إلى الخدمات الأساسية، مما يثير مخاوف من تفاقم التوترات الاجتماعية.
ومن المتوقع أن تستمر هذه السياسات في التأثير سلبًا على قطاعات واسعة من المهاجرين بحيث قد تتجه بعض الحكومات إلى تبني قوانين ترحيل أكثر صرامة أو فرض شروط إقامة أكثر تعقيدًا.
كما أن تراجع الدولة الاجتماعية قد يزيد من الفجوة بين المهاجرين والمواطنين الأصليين، مما يعزز الشعور بالعزلة والتهميش بين مختلف الجاليات .
يعكس صعود أحزاب اليمين في أوروبا تحولاً جذريا في أولويات الحكومات، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حيث يتم التضحية بالدولة الاجتماعية لصالح تعزيز الأمن والدفاع. ومع استمرار هذه السياسات، يبقى مصير المهاجرين، محفوفًا بالتحديات، مما يتطلب تعاونًا وجهودًا محلية لضمان حقوقهم وتحقيق التوازن بين الأمن والعدالة الاجتماعية.
مصير المهاجرين في أوروبا.. هل يدفعون ثمن صعود أحزاب اليمين الى السلطة؟







