لم تعد تثير لديّ حوارات الرميد ولقاءاته أيَّ رغبة في متابعتها أو مشاهدتها. ولذلك، قد تجاوزتُ مسرعًا على الشاشات حلقات “الشاهد” التي صوّرها ونشرها موقع “أشكاين” معه، ليس لأنني أتعالى على الرجل، ولكن لأن رؤيته وهو يتحدث تثير لديّ ذكريات أليمة بسبب قسوة الرجل وظلمه الفادح في حق أخي القاضي (ع.ف) وأسرته الصغيرة وعائلتنا برمتها… ذكريات نجاهد الآن فيما بيننا لئلا نتكلم فيها، بعد أن فوّضنا أمرنا إلى الله الذي ليس بين دعوة المظلومين وبينه حجاب.
لكن خروجه وسرديته كشاهد في ذلك البرنامج على أحداث سياسية وحكومية ومهنية عاشها، يجعلاني أخالف رغبة والدي الشيخ وأمي العجوز المكلومَين في ابنهما، طامعًا في أن يستفيق ضمير الرجل أخيرًا ويقرر نشر الحقيقة، وألا يكتم الشهادة في قضية أخي (ع. ف)، وأن يبادر إلى ترتيب ما يستوجبه ذلك من تحقيق للعدالة وجبر للضرر، فيسعى مصلِحًا “بوسائله وعلاقاته القوية والمتشعبة”، لإصلاح خطئه هنا في هذه الدنيا الفانية الغرور، قبل أن يفوت الأوان، ونختصمه جميعًا عند الله في الآخرة.
جمعتني بالرميد إذن قضيةُ أخي القاضي (ع. ف)، الذي كان ضمن من عزلهم من سلك القضاء. وليس هذا بخبر جديد، فلطالما كان بعض القضاة يُؤدَّبون ويُعزَلون بسبب اختلالات وأخطاء مهنية جسيمة تمس بالشرف. لكن أخي كان يستحق في حالته الدعم والمواكبة الطبية والإحالة على العلاج، لا العزل والتشريد. إذ إنّ ذنبه الذي آخذه عليه وأخذه به الرميد هو كونه أُصيب خلال فترة عمله كنائب لوكيل الملك بمرض مهني، جعله فاقدًا للإرادة وللمسؤولية عن أفعاله وأقواله. وأنا أتحدث هنا وأعلم أن العديد من رجال ونساء القضاء الذين يعرفون النازلة يراقبون ما أقول.
لقد كان أخي في حالة إغلاق عقلي، ولم يكن في حالة صحية وذهنية تسمح بمساءلته عن أفعاله ولا بمثوله أصلا في المجلس التأديبي أمام المجلس الأعلى للقضاء. كما أن أفعاله تلك لم تكن فسادًا أو رشوة، ولكنها كانت هذيانًا وأقوالا عبارة عن أعراض وتعبيرات للمرض، تظهر بوضوح أنه كان مسلوب ومنعدم الإرادة بسبب وضعه الصحي المزري.
لم نتصل كأسرة بالرميد في البداية، لأنني كنت ممن يعتقدون في تجرده ونزاهته، وخصوصًا لما أشاعه عن نفسه من أنه لا يقبل تدخلًا من أحد. لكنني مع ذلك، واحتياطا، اتصلت بصديق مشترك بيننا، طمأنني بأن الرميد واعٍ بمرض أخي، وأنه لن يؤذيه أبدًا. وقد أخبرني، بعد ذلك، أنه تحدث معه في الأمر، وأنه لا داعي للقلق، فالرميد على دراية بمرضه. استمر الوضع هكذا، إلى أن فوجئنا بقرار العزل.
لقد عزل الرميد أخي وألحق به أفدح الأضرار. نكبه هو وزوجته وأطفاله الثلاثة (كانوا في عمر 2 و8 و10 سنوات آنذاك)، مضيفا له مصيبة العزل فوق مصيبة المرض، في تنكيل وتعدٍ صارخ على حقوقه كقاضٍ وموظف ومريض وإنسان. قام بتقديمه للمجلس التأديبي وهو يعاني من مرض أصابه بسبب ضغوط مساره المهني، وجعله غير قادر على تحمّل مسؤولية أفعاله وأقواله بتاتًا. وهذه حقيقة يعرفها القاصي والداني في وزارة العدل وفي سلك القضاء كله آنذاك، بل هي قناعة الرميد نفسه، وأنا أقسم على هذا.
بعد العزل، ذهبتُ إلى مكتب الرميد بوزارة العدل، وهناك دار بيننا هذا الحديث، والله شاهد على ما أقول:
-قلت: سيدي الوزير، هل تعلم أن أخي الذي عزلته مريض ومسلوب الإرادة؟
-أجاب: نعم، أعرف، فمثل هؤلاء المرضى لا يَخْفَون عليّ.
-بادرتُه ثانية: هل تريد مواساتي، أم أن هذه هي قناعتك؟
-أجابني مؤكدا: أخوك مريض فعلًا.
-سألته مجددا: لماذا عزلته إذن؟ فالله قد رفع القلم عن أمثاله.
-رد قائلًا: لست أنا من عزله، جلالة الملك هو من عزله.
-أجبتُ: لكنك لو أخبرت جلالة الملك بأن أخي مريض، لأمر بعلاجه ورعايته. فما أعرفه ويعرفه كل المغاربة هو أن جلالة الملك رحيم بالمرضى من أبناء شعبه، وأنه يبادر إلى علاجهم على نفقته الخاصة. لن يرضى جلالة الملك أبدًا بقطع رزق قاضٍ مريض مسلوب العقل والإرادة وأسرته.
عندها غيّر وجهة الموضوع وسألني:
-لماذا لم يقدم أخوك شهادة طبية؟ ولماذا لم تقم أنت بإيداعه المستشفى؟
أجبتُ:
-حاولتُ، لكن لم يطاوعنا أحد في ذلك. نائب وكيل الملك هو من يأمر بالإيداع الإجباري في المستشفى. فإذا مرض نائب وكيل الملك، فالذي يملك سلطة إيداعه هو وزير العدل (وكان الوزير آنذاك هو رئيس النيابة العامة).
فقال لي:
– اكتبوا للديوان الملكي، وسيُصلَح جلالة الملك الأمر.
خرجتُ من عنده وأنا متعجبٌ كيف لوزير عدلٍ ومحامٍ ورئيس سابق لجمعية حقوقية أن يقول مثل هذا الكلام. لكنني قلت له كلمة أخيرة، وهو يودعني متأسفا عند باب المصعد:
-لو كان أخي مدعيًا للمرض، لاستصدر شهادة طبية، ونجا من مقصلتك، لكنه مريض حقيقي. سيدي الوزير قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق.
لا أريد أن أسترسل أكثر من هذا، لأنني أشعر بالضيق والاختناق كلما تذكرت أجواء ذلك اللقاء.
انتهت تلك المقابلة، وبدأت معاناتنا مع هذه المأساة العائلية المستمرة إلى اليوم. كاتبت العائلة الرميد عدة مرات تترجاه إصلاح هذا الخطأ الذي حوّل حياتنا إلى جحيم، وناشدته والدتي المسنّة أن يرحم فلذة كبدها، لكن أخذته العزة بالإثم ولم يُعِرنا اهتمامًا.
سعيتُ إليه كذلك لما صار وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان في حكومة د سعد الدين العثمانى، ورجوته أن يكون جزءًا من الحل، وأن يعالج الموضوع هذه المرة من زاوية حقوقية، لكنه ثار في وجهي وقال لي: “أخوك مريض، ولا يمكن أن يظل في سلك القضاء، ولن أفعل شيئًا الآن. لماذا لم تمدّني بشهادة طبية؟ راسلوا الديوان الملكي، وأنا متيقن أن جلالة الملك سينصفكم”. أجبته: “نحن نطلب فقط أن تطبقوا عليه مسطرة المرض المزمن، نطلب منك تطبيق القانون فقط.”.
الحقيقة الساطعة أن الرميد يشمئز عندما نُذكّره بهذه الواقعة، إذ يبدو أنه في حالة إنكار، وأنه لا يريد أن يرى خطأه. ومع ذلك، يحسب له على الأقل، أنه صرّح أمام الصحافة الوطنية في ندوة تقديم حصيلة إصلاح منظومة العدالة يوم 23 فبراير 2016 بالمعهد العالي للقضاء، بأن حالة أخي القاضي كانت تستوجب العلاج والمتابعة الطبية، لا العزل والتأديب، وأن نادي القضاة وجمعية أخرى هما من عارضا عرضه على الخبرة الطبية، وأنا أصرح بهذا وأعلم أن ذ عبد الإله بنكيران الذي كان بجانب الرميد في تلك الندوة يمكنه تأكيد ذلك أو نفيه.
المضحك المبكي في الأمر، هو أن الرميد، وهو ذو مرجعية إسلامية، نَسِيَ قول الله تعالى: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ} [المائدة: 8]. لقد قام بإعدام قاضٍ مهنيًا وإنسانيًا بسبب تعبيرات وأعراض وهلوسات ناتجة عن المرض لم يكن بإمكانه التحكم فيها، لأن عقله كان مغيّبًا، وإرادته كانت مسلوبة.
لم يستتبع الرميد اعترافه ذلك، بأي إجراء تصحيحي لجبر الضرر، مما يجعله، والحالة هذه مجرد تشهير إضافي بأخي، زاد من مفاقمة وضعه النفسي.
الرميد يعرف بحكم خبرته وتجربته الطويلة في سلك المحاماة أن أخي لم يكن واعيًا بمرضه، ويعرف أن مثل هذا المرض يجعل المصابين به يرفضون استشارة الطبيب والعلاج. وهذه هي الإشكالية الكبرى التي تواجهها الأسر في محاولة دفع مرضاهم نحو المستشفى. الرميد يعي أيضا أن أخي لم يكن ليستجيب لتحذيرات الإدارة، لأن مرضه كان يتطلب علاجًا كيميائيًا ولفترة طويلة، وهو ما كان يستوجب توجيهه نحو مسطرة المرض المزمن في الوظيفة العمومية، أي إحالته بكل بساطة على المجلس الصحي. ذاك هو ما كان يتوجب فعله قانونيا وحقوقيا وأخلاقيا ودينيا وانسانيا.
أصدرت العائلة بيانًا في الموضوع تشرح فيه أن ابنها ليس قاضي رأي، وإنما مريض أنهكه المرض، ووجهت عدة كتب إلى الرميد. وقمت من جهتي بالاتصال بعدد من اصدقائه في الحكومة والحزب، وحين حدثوه في الامر، كان يجيبهم: نعم هو مظلوم، ولكن قد سبق السيف العذل. بعد تلك المحاولات، سيتبخر أملنا بشكل شبه نهائي بعد أن أصبح الرميد وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان، فصار الخصم والحكم.
بعد 18 سنة من العمل، لم يُسجَّل عليه خلالها فساد أو رشوة، وعندما أصبح أخي عاجزًا صحيًا، حرمه (الرميد) من كل حقوقه بما في ذلك حق التغطية الصحية. لقد حوّله إلى ذكرى إنسانٍ يعيش بتضامن واكتتاب العائلة وبعض أصدقائه الأوفياء من القضاة، في انتظار الشفاء. هو في منزله، ويمكن للرميد أن يتيقن من مرضه ومن الآثار الرهيبة والمستمرة لخطئه بنفسه إن أراد. حسبنا الله ونعم الوكيل.
أخيرًا، لقد جعلنا الرميدُ نعيش تجربة هذا المرض المزمن كجريمة وعار ووصم. والدي تعرض للاكتئاب الحاد بسبب ذلك لمدة سنتين، ووالدتنا قد أحرق الرميد قلبها وهي في أرذل العمر، ولم تستطع أن تستوعب إلى اليوم كيف يقول الرميد إن ابنها مريض ثم يعزله. الى الآن، لا يزال الرميد ينكر ويكابر في الاعتراف بخطئه الفادح في حقنا، ولم يسعَ للتدخل لإصلاح الأمر، رغم تقدمه في السن وتجربته الأخيرة مع المرض، الذي نرجو أن يعافيه الله منه ويبقيه لأسرته وأبنائه.
غير مفهوم بتاتا، أن الرميد، ورغم قيامه بحلحلة ملفات لمواطنين مغاربة وسعيه لاستدرار رحمة الدولة لهم، فإنه لا يزال يمانع في تصفية هذا الملف العالق لأخي، الذي كان الرميد نفسه، وزير العدل الأسبق، طرفًا فيه، لإنهاء هذه المأساة وتصحيح هذا الظلم البين. ففي الحديث القدسي يقول الله سبحانه وتعالى: “يا عبادي، إني حرمتُ الظلمَ على نفسي، وجعلتُه بينكم محرَّمًا، فلا تَظالموا”.
لا نزال نرجو ألا تأخذ الرميد العزة بالإثم، وأن ينصت لنداء ضميره منتصرا على نفسه، وعلى أمل ذلك، سنظل نجد راحتنا، وخصوصًا والدتي، في التوجه لله تعالى والدعاء.
وإننا أيضًا، لنتطلع ان تفتح المؤسسات القضائية والحقوقية الدستورية تحقيقا في هذا الملف لاستجلاء الحقيقة وإحقاق الحق، كما اننا نرفع مظلمتنا إلى أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس، مرجئين خصومتنا مع الرميد إلى يوم الحساب حيث لا يُظلمُ أحدٌ مثقال ذرة.







