في الوقت الذي تواصل فيه وزارة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني الحديث عن المخططات والبرامج لتنمية قطاع الصناعة التقليدية وإدماج التعاونيات في الدورة الاقتصادية، خرجت أصوات مهنية من الداخل، لتعبر عما تصفه بـ”التجاهل الممنهج والانتقائي” الذي يطال الفاعلين الحقيقيين بالميدان، خصوصا في المناطق البعيدة عن عدسات الكاميرا والبلاغات الوزارية.
مصدر مهني من احدى مدن الشمال، طلب عدم ذكر اسمه، صرّح أن الوزارة المعنية، ومعها كتابة الدولة المكلفة بالاقتصاد الاجتماعي والصناعة التقليدية، “أصبحت تتعامل مع هذا القطاع بمنطق المناسبات والاستعراض، بدل المعالجة الهيكلية العميقة”. وأوضح أن “برامج الدعم المعلن عنها لا تتجاوز في الغالب النشرات الإخبارية أو تتركز في أيدي شبكات بعينها تحظى بقرب سياسي أو ولاء إداري”.
وأشار المصدر ذاته إلى أن الغالبية الساحقة من التعاونيات الحرفية، خصوصا تلك النشيطة في المجال التراثي، لم تستفد لا من دعم الإنتاج، ولا من التكوين في التسويق الرقمي أو التأطير القانوني، مضيفًا أن “القطاع لا يزال يشتغل بعقلية 2005، رغم أننا في سياق يتحدث عن رؤية 2030”.
وبحسب معطيات حصلت عليها نيشان من مصادر خاصة، فإن عددا من التعاونيات العاملة في مجالات دقيقة كالنحاسيات، والنقش، والخزف، لم تُمنح أي فرصة للمشاركة في المعارض الوطنية والدولية منذ سنوات، رغم التوفر على معايير الاستحقاق والجودة. “التمثيلية في المعارض أصبحت امتياازا لنخبة صغيرة لا تمثل التنوع الحقيقي للصناعة التقليدية”، يقول فاعل جمعوي بإقليم وزان.
ورغم الحديث عن إطلاق منصات رقمية لتسويق المنتوجات التقليدية، تكشف شهادات ميدانية عن ضعف كبير في المواكبة والتكوين، بل وحتى غياب كلي لأي إشعار مسبق لفائدة التعاونيات بخصوص فرص التسجيل أو آليات الدعم المتاحة، ما يخلق شعورا عاما بالحيف والتمييز.
في هذا الإطار، أصدرت تعاونية الأندلس للصفارة والنحاسيات بوزان، والتي تعد من أقدم التعاونيات بالمنطقة، بيانا شديد اللهجة عبّرت فيه عن استنكارها للإقصاء الذي تتعرض له، متهمة الجهات المعنية بـ”الإمعان في تهميش الحرفيين الفعليين”.
وأوضحت التعاونية أنها لم تتلق أي دعم مادي أو لوجستي، ولم تُدعَ لأي دورة تكوينية أو تظاهرة مهنية، رغم مراسلاتها المتكررة إلى المصالح الإقليمية والجهوية.
وتأتي هذه التحركات الميدانية وسط صمت مريب من مسؤولي الوزارة، وعلى رأسهم كاتب الدولة المكلف بالصناعة التقليدية، الذي تقول مصادر داخل الوزارة إنه “منشغل أكثر بحملات تواصلية وحزبية على حساب الملفات التقنية والمهنية التي تنتظر قرارات حاسمة”.
وكانت تقارير سابقة قد نبهت إلى وجود ارتباك في تنفيذ الاستراتيجية الوطنية لتنمية الصناعة التقليدية، التي تقوم على محاور جوهرية من قبيل هيكلة الفروع وتثمين العنصر البشري وتحديث آليات الإنتاج. غير أن مصادر من داخل القطاع ترى أن هذه الرؤية “تم تجميدها فعليا بسبب غياب المتابعة الجدية وافتقار المسؤول الحكومي الجديد للكفاءة والتجربة”.







