كثيرٌ من رجال التعليم أشفَقوا على الوزير برادة في أيامه الأولى بالوزارة، وهو “يُتمتِم” في البرلمان ويتلعثَم في تلاوة أجوبةٍ جاهزة عن أسئلةٍ تتعلق بقطاعٍ لا يجمعه به إلّا الخيرُ والإحسان.
اليوم، العاملون في التعليم يُشفِقون على أنفسهم، بعدما تبيَّن أن تمتمة الرجل كانت مجرد زُبدةٍ فوق “طاوة” الانقلاب على الاتفاق المُوقَّع مع النقابات، عبر دحرجته زمنيًّا، وترحيل فاتورته المالية نحو ملعب الحكومة المقبلة.
برادة، الذي يسعى لتعليم أبنائنا الهيب هوب، جاء إلى الوزارة مُكلَّفًا بمهمةٍ تم إعداد تفاصيلها قبل التخلُّص بشكلٍ ناعم من شكيب بنموسى، الذي تمّ التعامل معه كـ”مَسخوط الحكومة”، بعد أن وضع يديه في عصيدة النظام الأساسي، وهو الأمر الذي تهرّب منه الوزير أمزازي.
مُهِمّة برادة كانت إغلاقَ صنبورِ التعويضات، وغيرها من التحملات المالية الواردة في الاتفاق، وهي مهمةٌ كان تنفيذها يمر حتمًا عبر التخلُّص أيضًا من الكاتب العام، الذي “باعته” النقابات حين صمتت عن بلاغ نقابة معصيد، رغم أنه تعامَل بسخاءٍ كبير مع جميع المطالب الواردة في الاتفاق. لذا، قررت الحكومة، من خلال برادة، رفعَ الورقة الحمراء في وجهه، حتى لا يضعَ المزيدَ من البيض في سلّة النقابات.
هذه الأخيرة أصبحت اليوم عارية أمام نساء ورجال التعليم، الذين يُقارِنون بين السّحَيْمي، الذي كان توقيعه جاهزًا على كل المكاسب، وبين جلسات العزاء التي صارت تحضرها تحت رعاية “مول الفْران” والكاتب العام بالنيابة، لتخرج في كل مرة ببلاغاتٍ إنشائيةٍ تكشف أن القضية “نَشْفات”، وأن الوزارة مُصِرّة على جعل تنزيل الاتفاق نسخةً مُنقَّحةً عن مسلسل “سامحيني”.
اليوم، اتضح أن برادة يتعامل بنفس أساليب مسؤولٍ مركزي بالوزارة، اشتهر بلقب “مول الفْران”، بعدما أغلَقَ الصنبور في وجه رجال التعليم، لكنه يستعد لفتح “بِزبوز كبير” من خلال صفقات “المدرسة الرائدة”، بعد أن علّق مباراة الكاتب العام، وصار المفتش العام قفازًا في يده.
“مول مَصّاصة” لا يعبث، ويعرف جيدًا كيف يُنفِّذ المهمة التي حَمَلَته إلى باب الرواح. وقادم الأيام سيَكشِف العجبَ العُجاب مما يحدث في “مَطْبخ” الوزارة، بعد أن قرر برادة، وفي خطوةٍ غير بريئة، الاحتفاظَ بالكتيبة التي جاء بها بنموسى.
كتيبة تحولت بدورها إلى أداةٍ يُوظِّفها برادة في “تسليك” وشرعنة بعض الشروط التي وضعتها الوزارة للتحكُّم في مسارات صفقاتٍ ضخمة.
اليوم، برادة، وبعيدًا عن النفخِ السياسي في “المدرسة الرائدة”، التي صارت مثل حكاية الضفدعة والثور، لا يمكن إلّا أن نَجْزِم بأننا نسير بإيقاعٍ انتخابيٍّ متهور، نحو إنتاج جيلٍ جديد من الفضائح المرتبطة بالتعليم، ونَخلُقُ إصلاحًا مشوَّهًا سيُكَلِّفُنا الكثير من الوقت والمال.
ورغم كل “التَّانكافت” التي تُرافق “المدرسة الرائدة”، ورغم المليارات التي صُرِفَت على قطاع التعليم، تتوالى التقارير لتؤكد أننا كمن يَصُبُّ الماء في الرمل، وأن 66٪ من الأطفال المغاربة في سن العاشرة غيرُ قادرين على قراءة وفهم نصٍّ بسيط.
حقيقةٌ صادمة تُثبِت أن الدولة لا تزال محكومةً بهواجسَ قديمة في تعاملها مع وصفات “الإصلاح” التي طالت القطاع، والتي انتهت به إلى دُوامةٍ ومتاهةٍ لا يُراد له أن يخرج منها.
ويبدو أن برادة “سيُكمِل الباهية”، لأن ما يُروَّج داخل الوزارة لا يُسرُّ…. وحتى لا ننسى “الهيب هوب”، فالبنكُ الدولي، الذي منح المغرب 5000 مليار سنتيم لإصلاح التعليم، سبق أن قال: إن لا حلَّ للخروج من وضعنا الحالي سوى بتعزيز رأس المال البشري، مشدِّدًا على أن نتائج التعليم هي أفضلُ المؤشرات للتنبؤ بالنمو المستدام، وأفضل وسيلةٍ للحد من انتقال الفقر من جيلٍ إلى جيل.
وليس البنك الدولي وحده من نبّه إلى هذا؛ فالمجلس الاقتصادي والاجتماعي أكد بدوره أن مشاريعَ إصلاح التعليم قفزت على عددٍ من الأعطاب الأساسية، وغرقت في “الإيديولوجيا والحسابات السياسية” التي يُتقنها برادة وحزبه.
حساباتٌ فرضت، في نهاية المطاف، عودةَ الملايين من أبناء المغاربة إلى حظيرة الفرنكفونية، ضِدًّا على المنطق الذي اعتمدته جميع دول العالم، بما فيها فرنسا، والذي يقول إن المستقبلَ للغةِ الإنجليزية.
المجلس خرج أيضًا بمعطياتٍ صادمة حول نزيفِ الهدر المدرسي، الذي يجعل حوالي نصف مليون تلميذ وتلميذة يُودِّعون فصولهم كل سنة، 29% منهم في المستوى الابتدائي.
كما وجّه دعوةً صريحةً للدولة، من أجل جعلِ إصلاح المدرسة أولويةً وطنية بعد قضية الوحدة الترابية، وجعل هذا الإصلاح فرصةً للارتقاء الاجتماعي لجميع المغاربة، دون تمييز. وقال إن أي توجُّهٍ غير ذلك، سيزيد من إنتاج المزيد من الفوارق ومظاهر الإقصاء.
دعوة تؤكد أننا، عوض أن نُصلِح التعليم ونستثمر بجدية في الإنسان، عمّقنا أزمته، فأنجبنا مدرسةً أُريد لها أن تبقى معطوبةً وبدون ملامح… هذا رغم المليارات التي بُدِّدت في صفقاتٍ فاسدة، لا يزال المغاربة ينتظرون كشفَ المُتورطين فيها، بمن فيهم “مول الفْران” شَخصيًّا.







