في كل موسم سياسي، تُثار أسئلة قديمة متجددة حول حقيقة دور الأحزاب السياسية في المغرب، ومدى التزامها بواجب التأطير الدستوري وتكوين النخب وتغذية الحياة العامة بالأفكار والمواقف. لكن في مقابل هذا الضعف البنيوي الذي يطبع أداء العديد منها، يستمر ضخ الملايين من المال العام في خزائنها في شكل دعم سنوي سخي، دون أن يُقابل ذلك بأي مردودية تذكر أو محاسبة تردع.
تقرير جديد صادر عن المجلس الأعلى للحسابات برئاسة زينب العدوي، كشف جزءا من هذه المفارقة الصارخة. فقد أظهر التقرير أن 15 حزبا سياسيا لم تتمكن من تبرير صرف ما مجموعه 119,45 مليون درهم من أصل الأموال التي تلقتها، إما عبر غياب الوثائق المثبتة أو تأخرها أو إنفاقها في غير محلها. الأكثر من ذلك، أن 9 أحزاب لم تُودع أبدا حساباتها السنوية، في مخالفة صارخة للمادة 44 من القانون التنظيمي للأحزاب.
وإذا كان المال العام يُمنح بدعوى تشجيع العمل الحزبي وتعزيز الديمقراطية، فإن الواقع يشي بعكس ذلك تماما. فما يحصل اليوم، هو أن الدعم العمومي تحوّل عمليا إلى “صندوق أسود” داخل عدد من الأحزاب. وفي كثير من الحالات، لا يُستخدم هذا المال في التأطير أو التكوين أو تنظيم الحياة الداخلية للحزب، بل يُوجه إلى مصاريف إدارية مكررة ونمطية، وأحيانا لتغطية أجور مقربين أو منحهم صفقات غامضة نظير دراسات غير منجزة أو صورية، دون أثر سياسي ملموس.
مثال صارخ على هذه الممارسات، أن بعض الأحزاب أنفقت جزءا من دعمها العمومي على تكاليف لا علاقة لها بالنشاط السياسي، من قبيل اقتناء مواد غذائية ومصاريف خاصة بالتنقل والمبيت لموظفين لا أثر لهم في التنظيم، بل إن إحدى الهيئات السياسية اقتنت تجهيزات معلوماتية دون فواتير، بينما صرفت أخرى جزءا من دعمها دون أي دليل على أوجه الاستخدام.
وبحسب المجلس الأعلى للحسابات، فإن المبالغ غير المبررة في جانب تسيير الأحزاب بلغت لوحدها 13,24 مليون درهم، فيما وصلت الفجوة في مجال الدعم الموجه لتغطية مصاريف الحملات الانتخابية إلى 106,2 مليون درهم، علما أن عدد الأحزاب الخاضعة للمراقبة بلغ 30 حزبا، من أصل 34 معترف بها قانونيا.
قيادي سابق في أحد الأحزاب الكبرى، فضّل عدم الكشف عن هويته، صرّح لـ”نيشان” بأن “ما لا يُقال هو أن جزءا من الدعم العمومي لا يُوظف في خدمة الديمقراطية، بل في تكريس البيروقراطية الحزبية وإرضاء دوائر الولاء داخل التنظيمات، بل إن بعض الأحزاب لا تعقد مؤتمراتها ولا تجدد هياكلها، لكنها تحصل على الدعم نفسه، كما لو أن الدولة تكافئها على السكون”.
وفي السياق ذاته، علّق “محمد جوريو” الخبير في السياسات العمومي بالقول أنه “لا يوجد في المغرب إلى اليوم آلية حقيقية لتقييم أثر تمويل الأحزاب على الفعل السياسي. الدولة تمنح المال، وتطالب فقط بالفواتير، وليس بالنتائج.
وأضاف في اتصال هاتفي مع نيشان “هذا يشبه تمويل شركة لا تُنتج شيئًا، ولا يُسائلها أحد عن مصير الإنتاج أو رضا الزبائن، بل وحتى ان تمت مسائلته فإن الأثر الذي تشكله هاته المساءلة يبقى محدودا”.
المفارقة الكبرى أن الدولة، عبر مختلف مؤسساتها، تسجل هذه الاختلالات كل سنة، دون أن نشهد اتخاذ إجراءات تصحيحية صارمة، أو تعليق الدعم، أو فرض قيود كما هو معمول به في عدد من الديمقراطيات المقارنة. وهو ما يجر التساؤل، حول لماذا يُطلب من المواطن أن يؤدي الضرائب، فيما تُوزَّع أمواله على أحزاب لا تنجز ولا تؤطِر.
ما يزيد الوضع سوءا، وفقا لمصادر متقاطعة، أن الأحزاب المتخلفة عن تقديم حساباتها أو التي سجلت اختلالات لا تواجه أي عقوبات مالية مباشرة. ورغم أن المجلس قد يحثها على إرجاع الأموال غير المبررة، إلا أن التجارب السابقة أظهرت ضعفا في تفعيل هذا التوصيات، ناهيك عن غياب أي إرادة سياسية لربط الدعم بالنتائج والمردودية السياسية.
في هذا السياق، يطالب عدد من المتابعين للشأن العام والخبراء المتخصصين في محال الحكامة، بإعادة النظر في فلسفة الدعم برمتها. فبدل استمرار منطق التمويل المجاني، يجب ربط الدعم العمومي بدفتر تحملات واضح، يُلزم الأحزاب بتحقيق أهداف محددة، قابلة للقياس، منها تأطير الشباب، والمشاركة في النقاش العمومي، وتقديم مبادرات تشريعية، واحترام الديمقراطية الداخلية، بالإضافة الى تقديم بيان سنوي عن المنجز فيم ايتعلق بالدبلوماسية الموازية.
كما يجب التفكير في خلق هيئة مستقلة لتقييم أداء الأحزاب بناءً على هذا التمويل، أسوة بما هو معمول به في تمويل المشاريع المدنية والجمعوية، وربما الذهاب إلى أبعد من ذلك بفرض عقوبات مالية أو تعليق الدعم في حال تكرار المخالفات أو انعدام الفعالية.
وتؤكد المصادر، أن السكوت عن اختلالات الدعم العمومي لا يسيء فقط إلى المال العام، بل إلى مصداقية العملية السياسية برمتها، ويغذي الشعور العام بأن الأحزاب مجرد كيانات تسعى للبقاء، لا للتغيير او الاصلاح.
وفي ظل هذه الوضعية، قد يصبح استمرار ضخ المال في هذه الكيانات مجرد ضخ للأوكسجين في جسد ميت، دون فائدة تُذكر. وربما يكون الوقت قد حان لطرح سؤال أكثر عمقا: هل الأحزاب الحالية قادرة على تبرير استمرار تمويلها من المال العام دون التزام مقابل، أم أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من إعادة تعريف وظيفة الحزب نفسه؟







