تهب عاصفة غير مسبوقة على قطاع مراكز النداء بالمغرب، بعد أن كشفت معطيات عن مساعٍ جدية يقوم بها الملياردير الفرنسي ـ الإسرائيلي باتريك دراهي للتخلي عن حصته في شركة “إنتلسيا”، العملاق المغربي الذي يعد ثالث أكبر فاعل في خدمات تدبير علاقات الزبناء بفرنسا. هذه الخطوة، التي تأكدت منذ نهاية غشت عقب تسريبات إعلامية، تأتي في سياق بالغ التعقيد يتقاطع فيه التشدد التشريعي في باريس مع الضغوط المالية التي تثقل كاهل مجموعة “ألتيس” المملوكة لدرّاهي.
ووفقاً للمصادر، فإن النموذج المغربي في مجال الترحيل، الذي يشغل نحو 120 ألف مستخدم ويضخ أزيد من 15 مليار درهم سنوياً من صادرات الخدمات، مقبل على مرحلة دقيقة، بعد أن فرض القانون الفرنسي الجديد المتعلق بتعهيد خدمات الزبناء قيوداً أشد على الأنشطة المتمركزة خارج فرنسا، في وقت تعتمد فيه السوق المغربية على الزبناء الفرنسيين بما يقارب 70 في المائة من رقم معاملاتها.
وفي خضم هذه العاصفة، تؤكد المعطيات أن “إنتلسيا” وجد نفسه وسط منطقة مطبات، خصوصاً وأن مساهمه الرئيسي، مجموعة “ألتيس”، يمرّ بأزمة ديون خانقة بلغت 24 مليار يورو في فرعه الفرنسي. وبحسب ما كشفته تسريبات إعلامية، فإن هذه الأزمة دفعت دراهي إلى توقيع اتفاق مع الدائنين في فبراير الماضي، مهد الطريق لإعادة ترتيب أوراقه عبر بيع أصول إستراتيجية.
وما غذّى هذه التكهنات أكثر، أن دراهي ظهر عبر تقنية الفيديو من الدار البيضاء خلال اجتماع داخلي بمقر “ألتيس” بباريس في يوليوز المنصرم، وفقاً لمصادر مطلعة، لمتابعة نقاشات حول مستقبل المجموعة. الاجتماع الذي امتد لأربع ساعات، خلص فيه كريم برنوسي، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لـ”إنتلسيا”، إلى تأكيد وجود استعدادات فعلية من جانب مستثمرين مغاربة ومكاتب عائلية ومسؤولين كبار من داخل الشركة لاستعادة السيطرة عليها.
غير أن هذه التطورات، وفق المتابعين، لا تبعث على الاطمئنان، إذ تأتي في سياق يتسم بارتفاع التحديات. فالقانون الفرنسي الجديد مرشح لزيادة كلفة الامتثال وإطالة آجال المعاملات، وهو ما قد يدفع عدداً من الزبناء الفرنسيين إلى إعادة تمركز خدماتهم إما داخل فرنسا أو في بلدان أوروبا الشرقية، على حساب المغرب.
ويحذر خبراء القطاع من أن أي اهتزاز في “إنتلسيا” سينعكس بشكل مباشر على صورة ومصداقية المنظومة المغربية لمراكز النداء، باعتبارها أحد أعمدة الاقتصاد الوطني في قطاع الخدمات المصدَّرة. لذلك يطرح السؤال بإلحاح، وفق المراقبين، حول قدرة المغرب على الانتقال السريع نحو خدمات عالية القيمة في مجال الـBPO، وتعزيز التكوين متعدد اللغات، فضلاً عن الحاجة إلى مفاوضات ثنائية واضحة مع باريس لتأمين موقعه التنافسي في سوق شديدة الحساسية.







