رغم مرور نحو عقد على التعهد الرسمي بإحداث حضانة داخل البرلمان، أعادت تدوينة للبرلمانية زينب السيمو إشعال النقاش حول غياب فضاء يتيح للأمهات المنتخبات ممارسة مهامهن التشريعية دون التضحية بحقوق أطفالهن.
السيمو، تقاسمت تجربة شخصية أثارت الكثير من التعاطف، بعدما روت كيف اضطرت في مرات كثيرة إلى ترك رضيعها بعيداً عنها، أو الاصطدام بخيار مؤلم بين حضور النقاشات العامة باسم الأمة أو البقاء إلى جانب صغير يحتاجها في مرحلة حساسة من النمو.
وفي تدوينتها، كشفت البرلمانية عن تفاصيل الأيام الطويلة التي صاحبت مناقشة مشروع قانون المالية 2026، مشيرة إلى أنها بصمت على ثماني مداخلات في قطاعات مختلفة، لكنها واجهت صعوبة “أقسى من النقاشات نفسها”، وهي اضطرارها إلى الابتعاد عن طفلها أو جلبه معها في ظروف غير ملائمة.
وأوضحت أنها حاولت إيجاد بدائل قريبة من المجلس، لكنها ظلت حلولاً ترقيعية، لأنها لا توفر الأمان النسبي لحضانة داخل المؤسسة، كما لا ترفع الحرج عن الأمهات اللواتي يتحملن مسؤولية تمثيل الناخبين دون إعفاء من أدوارهن العائلية.
ويعيد هذا النقاش إلى الواجهة تعهداً سابقاً أطلقه رئيس مجلس النواب رشيد الطالبي العلمي سنة 2015 عندما أعلن أن المؤسسة التشريعية تتجه نحو تحويل المطعم القديم إلى حضانة مخصصة لأطفال البرلمانيات، بل تحدث حينها عن مشروع متكامل يشمل فضاءات عمل إضافية فوق مرأب تحت أرضي مجاور للبرلمان. لكن المشروع ظل حبيس الرفوف، ولم يتحقق منه شيء رغم مرور السنوات وتوالي الولايات التشريعية، في تناقض صارخ مع الخطاب الرسمي حول تمكين المرأة وتسهيل وصولها إلى مواقع القرار.
ولا يقف الجدل عند مجلس النواب وحده، فالسنة الماضية فجّرت مجموعة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمجلس المستشارين الموضوع مرة أخرى، بعدما راسلت الرئيس السابق للمجلس النعم ميارة مطالبة بإحداث حضانة لفائدة البرلمانيات وموظفات الغرفة الثانية. الاحتجاج اندلع حين فوجئت المستشارة فاطمة أزكاغ بانعدام أي حضانة داخل المؤسسة، رغم أن المجلس نفسه يصادق على قوانين تُلزم الإدارات والقطاعات الحكومية بتوفير هذا النوع من الخدمات. واعتبرت المجموعة أن “المؤسسة التي تنتج القوانين لا تطبقها”، بعدما تجاهلت الرئاسة المراسلات المتكررة منذ عام 2023 دون رد.
وتعزز هذا الموقف بمعطيات رسمية تعود إلى سنة 2019، حين أصدرت الوزارة المكلفة بإصلاح الإدارة منشوراً يقضي بتعميم دور الحضانة داخل الإدارات العمومية، بناء على دراسة أظهرت أن مسؤولية رعاية الأطفال من أكبر العراقيل التي تمنع النساء من الترشح لمناصب المسؤولية. ورغم ذلك، بقي البرلمان، المفروض دستورياً أنه النموذج والمؤطر، خارج هذا الركب، فيما تعتمد البرلمانيات على ترتيبات فردية تتراوح بين حلول مكلفة وأخرى مجهدة وعرضية.
تدوينة زينب السيمو، وإن كانت ذات طابع شخصي، فإنها تكشف خللاً مؤسسياً صارخاً يخص بيئة العمل داخل المؤسسة التشريعية. وتجدد السؤال حول مدى جدية البرلمان في تنزيل مبدأ المساواة الذي يردده في النصوص، ويصعب تجسيده في الممارسة.
كما تعكس حجم التوتر الخفي الذي تعيشه البرلمانيات وموظفات الغرفتين بين مسؤولياتهن المهنية وتعقيدات الحياة العائلية، في ظل غياب سياسة عمومية حقيقية داخل البرلمان نفسه.







