في خضمّ موجة الغلاء التي تضرب جيوب الأسر المغربية منذ أشهر، انتقل لهيب الأسعار هذه المرة إلى رفوف الصيدليات، بعدما سجل المرصد المغربي لحماية المستهلك زيادات متتالية في أسعار عدد من الأدوية الأساسية خلال الأسبوع الجاري، في تطور يعمّق القلق حول قدرة المرضى على تحمل كلفة العلاج، خصوصا ذوي الأمراض المزمنة الذين يجدون أنفسهم أمام فاتورة ترتفع بقدر ما يتراجع دخلهم.
وبينما كان الرأي العام يترقب انفراجاً في أعقاب إعلان الحكومة نيتها إصلاح نظام تسعير الدواء منذ يوليوز الماضي، فجّر سؤال كتابي وضعته النائبة البرلمانية نعيمة الفتحاوي ملفاً جديداً، يتحدث عن “فوضى تسعيرية” داخل الصيدليات وتفاوتات غير مبررة في أسعار بعض الأدوية، في ظل تأخر الوزارة في تحيين اللوائح الرسمية المنشورة للعموم.
واعتبرت البرلمانية أن هذا الوضع “يمسّ حق الولوج إلى العلاج المنصوص عليه دستورياً”، ويضرب جوهر قانون حماية المستهلك الذي يفرض إعلام المواطن بشكل واضح بالأسعار الحقيقية.
وتطالب الفتحاوي وزير الصحة والحماية الاجتماعية بفتح تحقيق شفاف يتتبع مسار الزيادات، من سلاسل الإنتاج والاستيراد وصولاً إلى التوزيع، مع تفعيل المراقبة الميدانية وفق القانون 17.04 وإلزام الصيدليات بنشر الأسعار الرسمية وتحيينها بشكل دوري.
اللافت أن هذا الجدل ليس جديداً على المنظومة الدوائية بالمغرب. ففي يوليوز الماضي، كشفت مصادر مهنية وحقوقية عن “جيوب مقاومة” تعرقل أي محاولة لخفض أثمان الدواء، رغم إقرار الحكومة نفسها بأن أسعار بعض التشكيلات الدوائية مرتفعة إلى أربعة أضعاف مقارنة بدول أخرى. وهو ما سبق أن أشار إليه الوزير المكلف بالميزانية، فوزي لقجع، مؤكداً وجود ممارسات تجعل قطاع الدواء في وضع احتكاري غير قادر على الانضباط لمنطق المنفعة العامة.
كما نقلت المصادر ذاتها شهادات مثيرة تتحدث عن اختفاء أكثر من 600 دواء من السوق بفعل “منطق الربح” الذي يدفع بعض الشركات إلى وقف إنتاج تشكيلات لا تحقق مردودية تجارية، في مشهد يضع المرضى في قلب أزمة مزدوجة، غلاء في الأسعار ونقص في التزويد. وتحولت الصيدليات والشركات المصنّعة بدورها إلى محور اتهامات صريحة، بعدما وُجهت إليها أصابع الشك في الدفع نحو مواجهة غير مباشرة مع وزارة الصحة بهدف تعطيل إصلاحات نظام التسعير وإعادة هيكلة مسالك التوزيع.
من جهتها، لم تتردد منظمات مدنية في تحميل جزء من المسؤولية للحكومة، معتبرة أن تصريحاتها حول ارتفاع الأسعار “بأربع مرات” تكتسي دلالة كبيرة على حجم الخلل، وأن الاستمرار في تأجيل الإصلاحات يعمّق معاناة المرضى ويضرب جوهر ورش الحماية الاجتماعية. بينما شدد فاعلون حقوقيون على أن التعامل مع الدواء كسلعة تخضع لمنطق السوق يناقض الحق في الحياة ويفتح الباب أمام ممارسات لا تتناسب مع المنتوجات الصحية ذات الطابع الاستراتيجي.







