تتحرك شركة SGTM في لحظة فارقة تبدو أكبر من مجرد إدراج في بورصة الدار البيضاء، وأعمق من كونها مقاولة تتصدر الصفقات العمومية الكبرى. فالعملية المالية التي تنتظرها السوق خلال دجنبر، بقيمة تقييم تقارب 25 مليار درهم(اي ما يناهز 2500 مليار سنتيم)، تأتي في توقيت حساس تمامًا، يتزامن مع فترة تتوسع فيها الاستثمارات العمومية بوتيرة غير مسبوقة، وتتجه فيها البلاد نحو أوراش ضخمة استعدادًا لمونديال 2030، فيما يتعمق الجدل حول ضيق دائرة الفاعلين القادرين على الفوز بـ“العقود الكبرى”.
القصة بدأت تتضح أكثر منذ غشت الماضي، عندما ظفرت SGTM وJet Contractors بصفقتين متتاليتين لتوسعة مطاري أكادير المسيرة ومراكش المنارة، بكلفة تقارب 4,4 مليارات درهم. صفقتان كرستا مرة أخرى المشهد ذاته الذي تكرر خلال العقد الأخير: شركتان تتقاسمان أهم مشاريع البنية التحتية، من الطرق السيارة إلى الموانئ، وصولًا اليوم إلى أهم بوابات البلد الجوية.
وكانت SGTM قد حصلت في اكادير على الصفقة بعد منافسة وُصفت بـ“الضيقة”، بفارق لا يتجاوز 30 مليون درهم بينها وبين التجمع TGCC–Inter Tridim. وفي مراكش، فازت Jet Contractors بعرض يفوق قليلاً 2,2 مليار درهم، فيما بقي عرض SGTM خارج الحسبة بعدما وصل إلى نحو 2,7 مليار درهم. هذا التوزيع الثنائي للصفقات فتح الباب مجددًا أمام أسئلة قديمة، هل يتعلق الأمر بغياب منافسين قادرين على الدخول إلى هذا المستوى؟ أم بنموذج اقتصادي يحصر الأوراش الكبرى في دائرة محدودة سلفًا؟
وسط هذا النقاش، تأتي خطوة إدراج SGTM في البورصة كحدث مالي وسياسي معًا. فعائلة القباج المؤسسة ستتخلى عن 20% من رأسمالها بقيمة قد تصل إلى 5,04 مليارات درهم، في طرح عام أولي بالكامل عبر بيع أسهم موجودة. خطوة تُقرأ في السوق باعتبارها انتقالًا نحو الشفافية وتوسيع قاعدة المساهمين، لكنها تُقرأ أيضًا من طرف مراقبين كتحول في موقع الشركة داخل منظومة الصفقات العمومية، خاصة مع حجم الاستثمارات المقبلة المرتبطة بالمطارات والطرق والملاعب.
وتتناسل الاسئلة اكثر كلما اتّضح حجم البرنامج الاستثماري للمكتب الوطني للمطارات، الذي يصل إلى 38 مليار درهم، ويتضمن توسعة مطارات جهوية وبناء مطار جديد في الدار البيضاء. هذه الحزمة المالية الضخمة تجعل من قطاع البناء والأشغال العمومية رهانًا استراتيجيًا، لكنها تضع، في المقابل، نموذج المنافسة تحت اختبار صعب، خصوصًا مع اقتراب المغرب من استحقاقات 2030 التي تُستعمل اليوم كرافعة لتسريع التعاقدات العمومية.
وتجعل التجارب السابقة، لاسيما التي شهدت تأخيرات أو زيادات في التكلفة، من ضرورة المتابعة أكثر الحاحية هذه المرة. فالسؤال لم يعد فقط من يربح الصفقة، بل كيف تُنفذ، وبأي كلفة نهائية، ومن يراقب؟
وبينما تستعد SGTM لدخول البورصة تحت الرمز GTM، بسهم يُطرح بسعر 420 درهمًا، تبدو المؤسسة وفقازللمصادر أمام لحظة مكاشفة، وهل سيؤدي الإدراج إلى إعادة توزيع قواعد اللعبة داخل السوق؟ أم سيكرس وضعًا ظلّ قائمًا لسنوات يتم خلاله إنجاز أكبر المشاريع عبر نفس الأسماء المعروفة؟.
في انتظار الإجابة، تشدد مصادر مطلعة، على أن الصورة تظل واضحة من الآن: المغرب في بداية أكبر موجة استثمارية منذ عقدين، واللاعبون الذين سيتحركون في مقدمة هذه الموجة لن يكونوا مجرد فاعلين اقتصاديين، بل عناصر مركزية في صياغة المرحلة المقبلة من البنية التحتية للبلاد.







