بعد الاحتجاجات التي قادها شباب «جيل زيد» شهر أكتوبر المنصرم، والتي انطلقت شرارتها الأولى من منصة ديسكورد قبل أن تمتد إلى الشارع، عادت دراسة جديدة صادرة عن مركز المؤشر للأبحاث لتفكيك ملامح هذا الجيل الذي بات اليوم في قلب التحولات الاجتماعية والسياسية بالمغرب. الدراسة لا تكتفي بوصف ما جرى، ولا تنظر إلى الشباب كفاعل ظرفي في موجة غضب عابرة، بل تسعى إلى فهم أعمق للسياق الذي أفرز جيلاً يتحرك بمنطق مختلف، ويتواصل بأدوات جديدة، ويعبّر عن مطالبه بطرق لم تعد القنوات التقليدية قادرة على احتوائها.
وتؤكد الدراسة أن هذا الجيل تَشكّل داخل بيئة سريعة التحول، فقدت فيها المدرسة والأسرة جزءاً من دورهما التأطيري، بينما صعدت المنصات الرقمية لتصبح المصدر الأول للمعرفة، والنقاش، وبناء المواقف. هناك، على هذه المنصات، يتعلم الشباب ويختلفون ويتفقون ويعبّرون عن غضبهم من قضايا معيشية وسياسية، في فضاء مفتوح لا يعرف القيود التقليدية. ومن هذا التفاعل المتواصل نشأت منظومة قيمية جديدة: استقلالية أكبر، حساسية حادة تجاه العدالة، نفور من الخطاب السلطوي، ورغبة في التأثير عبر وسائل حديثة لا تمر عبر الهياكل الحزبية والتنظيمية.
وتتوقف الدراسة عند إحدى أبرز مفاتيح فهم هذا الجيل، والمتعلقة بعلاقته بسوق الشغل. فالشباب، وفق التحليل، يعيشون واقعاً غامضاً لا يَعِدُ بفرص مستقرة، ويضطر الكثير منهم إلى الجمع بين عمل عبر المنصات، ومشاريع صغيرة، ومحاولات متكررة للعثور على مورد رزق ثابت. وبين هذا وذاك، يعيشون هشاشة اجتماعية واضحة نتيجة غياب حماية حقيقية للمشتغلين في الاقتصاد الرقمي. وتعتبر الدراسة أن هذا الوضع لا يعكس «تناقضاً» في الجيل، بل يعكس تناقضاً في السياسات التي لم تساير انتقال البلاد نحو اقتصاد جديد يتشكل خارج الإطار التقليدي.
أما في السياسة، فترصد الدراسة انتقالاً واضحاً من المشاركة المؤسساتية إلى المشاركة الرقمية والميدانية. لا يعني ذلك – بحسب الباحثين – أن جيل زيد «عازف عن السياسة»، بل يعني أنه لم يعد يرى نفسه داخل قنواتها القديمة. يظهر هذا التحول في الحملات الرقمية، في الوسوم التي تشتعل في ساعات، وفي المحتوى الذي يتحوّل إلى قوة ضغط، وفي احتجاجات تتخذ التكنولوجيا نقطة انطلاق قبل أن تنفجر في الفضاء العام. وتخلص الدراسة إلى أن هذه الأشكال الجديدة ليست رفضاً للمؤسسات، بقدر ما هي دعوة غير مباشرة إلى تحديثها.
وتحذّر الدراسة من اتساع الفجوة بين جيل يتحرك بسرعة رقمية لا تُصدّق، وسياسات عمومية ما تزال رهينة إيقاع بطيء، وإصلاحات مجزأة، وبرامج لا ترى الصورة الكاملة. وتدعو إلى إعادة بناء العلاقة بين الدولة والشباب وفق رؤية مندمجة تشمل التعليم، والتشغيل، والحماية الاجتماعية، والحكامة الرقمية، مؤكدة أن أي إصلاح منفصل لن يُحدث الأثر المطلوب.
وتتابع الدراسة أن جيل زيد ليس «عنوان أزمة»، بل «فرصة تغيير» إذا ما أُحسن استيعاب مطالبه وطريقة تفكيره. فاحتضان هذا الوعي الجديد يمكن أن يفتح الباب أمام عقد اجتماعي أكثر مرونة ومشاركة، بينما تجاهله قد يُعمّق سوء الفهم ويحوّل الغضب الرقمي إلى توتر واقعي أكبر. وتخلص الدراسة إلى أن مستقبل المغرب القريب سيتوقف، إلى حدّ بعيد، على قدرة السياسات على قراءة ما وراء الاحتجاجات، وفهم الجيل الذي يقف خلفها.







