حين تحدث والي بنك المغرب عن “الباكور” و”الزعتر”، شرب بعض الساسة حليب السباع واعتبروا هذا التوصيف احتقارا للأحزاب والسياسيين والمؤسسات التمثيلية.
هؤلاء يجب أن نسمع رأيهم في المهزلة التي شهدها مجلس النواب.
في جميع برلمانات العالم، لن تشاهد برلمانيا يبزق في يده وهو يخاطب النواب والرأي العام في بث مباشر.
لن نستغرب إذا علمنا أن الأمر يتعلق بالتويزي، صاحب الطحين الممزوج بالورق، وحاكم أيت أورير الأبدي، والذي ننتظر أن يتم الإفراج عن نتائج التحقيق معه بعد أن صار عاريا أمام المغاربة في واقعة الغلوسي.
ليس التويزي وحده من بزق في يده، بل عاينا كيف بزق وزير العدل حديثا عن مجلس “قيادة الثورة” وعربد داخل مجلس النواب قبل أن ينخرط رئيس الجلسة في الجذبة، ويطرد نائبا برلمانيا مثل “قايد” يأمر “لمرود” في حملة لتحرير الملك العمومي.
ما حدث كان عبارة عن “مطايفة” استعراضية أشعلها وهبي بعد أن نقل “وزير العدل” صاحب “عبارة من تحتها” عنترياته الإنشائية من قاعة المحاكم لقبة البرلمان..قبل تدخل “السلطة” في شخص لفتيت الذي سحبه خارج القاعة.
هؤلاء جميعا بلعوا ريقهم ودفنوا لسانهم في حناجرهم حين كانت احتجاجات جيل زيد تزحف على المدن، وتزعزع أركان الأغلبية والحكومة التي اختفى جميع مهرجيها وطباليها قبل أن يتدخل الملك..تمامًا كما يحدث في كل مرة دون أن يستفيد الهواة الذين يتصدرون المشهد السياسي من الدرس..
لهذا سمعنا وزير العدل الذي يقدم اليوم هدية تشريعية لشركات التأمين، وهو يستعين بـ”العكار” لمواجهة من يشيرون لقلاع الفساد الحصينة، في الوقت الذي تلاحق فيه “سطافيطات” واستداعات الأمن العشرات من شباب “جيل زد، فيما توزع المحاكم عقوبات ثقيلة على المتابعين.
ما حدث بمجلس النواب الذي تحول لسيرك مفتوح غير مستغرب من نخبة سياسية تتهرب من النقاش السياسي الحقيقي، ومن فتح ملف تضارب المصالح، كما حصل في ملف صفقات الأدوية و”عطيني نعطيك” بين وزيري الصحة والتربية الوطنية.
كما تتهرب من تجريم الإثراء غير المشروع، وملاحقة باقي أشكال الريع المتعددة التي لا زالت تنخز ميزانية الدولة، في الوقت الذي تتجه فيه البلاد نحو المزيد من الديون، ويجتهد فيه “السي لقجع” في بيع ما تبقى من مستشفيات ومرافق الدولة قبل نهاية الولاية الحكومية.
وضع كان يفرض كحد أدنى القطع مع التشريعات على المقاس، وصفقات الوزيعة بين الوزراء وأشكال الريع والترف، التي يرفل فيها بعض المسؤولين الكبار ممن يتسلمون رواتب توازي أجور رؤساء دول.
لا يكفي أن تعلن الحكومة المشغولة بالتسخينات الانتخابية عن سعيها لدمج أو حذف بعض المؤسسات التي تعتبر في الظرف الحالي بمثابة حمولة زائدة، أو ربط الإنفاق العام بالمردودية، بل لا بد من فتح نقاش صريح وشجاع حول باقي أشكال الفساد التشريعي، و الريع الناعم التي يخلق ثروات لحفنة من المحظوظين الذين يجنون مالا باردا دون أي قيمة مضافة.
ملف “الريع” استُغل لسنوات كدعاية انتخابية، قبل أن يتبين أن الإجراءات الناعمة التي اتُخذت اتجهت لرأس جبل الجليد فقط، أما “ما خفي تحته”، فلا الحكومة قادرة على الغوص إليه، ولا المؤسسة التشريعية تملك جرأة محاصرته… ما دامت شريكة فيه.







