حمل مشروع قانون المسطرة الجنائية الجديد، الذي شرع في تطبيق مقتضياته يوم الاثنين 8 دجنبر الجاري، مستجدات لافتة بخصوص الإكراه البدني وتنفيذ الغرامات والعقوبات المالية، وذلك وفق مذكرة تفسيرية حديثة صادرة عن المجلس الأعلى للسلطة القضائية كشفت تفاصيل غير مسبوقة حول مسار التحصيل وآليات تنفيذ الأحكام المالية، في محاولة لمعالجة ضعف مردودية الأداء الذي ظل يؤرق المنظومة لسنوات.
وتشير المذكرة التي اطلعت عليها نيشان، إلى أن المغرب يسجل سنوياً ما يقارب 50 مليون درهم من الغرامات المحكوم بها، في حين لا يتجاوز التنفيذ الفعلي 14 مليون درهم، ما اعتُبر مؤشراً على محدودية الآليات التقليدية للتحصيل. وبناء على ذلك، جاء القانون الجديد ليُوسّع من الجهات المخول لها استخلاص الغرامات والمصاريف القضائية، عبر إشراك المفوضين القضائيين وأعوان وضباط الشرطة القضائية إلى جانب كتابات الضبط والقباض، مع إمكانية تفويض مؤسسات عمومية معينة، خاصة تلك المرتبطة بمسطرة الإكراه البدني.
وفي خطوة غير مسبوقة، نصت المقتضيات الجديدة على ربط أداء الغرامات بالاستفادة من عدد من الخدمات الإدارية، لقطع الطريق على التملص وتحفيز الأداء الطوعي، في إطار مقاربة تعتبرها المذكرة «رافعة لتحسين مردودية التحصيل وتعزيز فعالية المنظومة الزجرية».
وتبرز المادة 634-1 أحد أهم التحولات، إذ تمنح للمحكوم عليه أجلاً مدته ثلاثون يوماً لتنفيذ الحكم المالي، مع استفادته من تخفيض جوهري يمنحه إمكانية أداء ثلثي الغرامة فقط عند احترام هذا الأجل. وتؤكد المذكرة أن هذا التخفيض يشكل آلية تشجيعية تستهدف تقليل اللجوء إلى الإكراه البدني وتخفيف العبء على النيابة العامة وأجهزة التنفيذ.
أما في ما يتعلق بمسطرة الإكراه البدني ذاتها، فقد فرضت المادة 635 شروطاً أوضح لتفعيله، بحيث لا يُلجأ إليه إلا بعد التأكد من استنفاد إمكانيات التنفيذ على أموال المدين، مع إمكانية إعفاء الأجانب من الإكراه البدني في حال الإدلاء بشهادة عدم الخضوع للضريبة من الجهات المختصة ببلدانهم، في خطوة اعتبرتها المذكرة استجابة للمعايير الدولية وحماية لحقوقهم الأساسية.
كما أقر القانون لأول مرة عتبة مالية دنيا لتفعيل الإكراه البدني، حيث أصبح من غير الممكن تطبيقه إذا كانت المبالغ المحكوم بها أقل من 8000 درهم، وهو ما وصفته المذكرة بـ«نقلة نوعية» تهدف إلى عقلنة هذا الإجراء والحيلولة دون المساس غير المبرر بحرية الأفراد في القضايا ذات الطابع المالي البسيط.
ووسع النص الجديد من الضمانات الاجتماعية والإنسانية، إذ يمنع تنفيذ الإكراه البدني على الزوجين في آن واحد، وعلى الحوامل والمرضعات، ويضع حداً لتنفيذه عند بلوغ المحكوم عليه 60 سنة، انسجاماً مع قرارات سابقة لمحكمة النقض اعتبرت هذا الإجراء غير ذي جدوى في المراحل العمرية المتقدمة.
وتحدد المقتضيات الجديدة مدد الإكراه البدني بشكل تصاعدي حسب قيمة الدين، بدءاً من 15 يوماً إلى غاية 15 شهراً، مع احتساب المدة على أساس مجموع المبالغ المستحقة عند تعدد الالتزامات.
كما منح القانون مرونة أكبر في تحديد الجهة المختصة بتفعيل الإكراه البدني، إذ أصبح بالإمكان تقديم طلب التنفيذ إلى وكيل الملك بالمحكمة التي باشرت إجراءات التحصيل أو التي تم انتدابها لذلك، تجنباً للارتباك الذي كان يرافق تحديد الجهة المختصة سابقاً.
الأهم من ذلك، أن القانون أرسى لأول مرة حق الطعن في مقررات قاضي تطبيق العقوبات المتعلقة بالإكراه البدني، بعدما كانت تنفذ سابقاً دون إمكانية مراجعتها. وأصبح بإمكان النيابة العامة والمحكوم عليه وطالب الإكراه تقديم منازعة داخل أجل عشرة أيام، على أن تبت المحكمة في الطعن بمقرر نهائي غير قابل لأي طعن.
وتؤكد المذكرة أن هذه التعديلات مجتمعة تعكس توجهاً نحو «ترشيد استعمال الإكراه البدني، وتغليب الأداء الطوعي، وتدعيم ضمانات المحاكمة العادلة»، في محاولة لمعالجة تراكمات عمرها سنوات داخل منظومة تنفيذ الأحكام المالية.







