في مثل هذه الأيام، قبل أكثر من قرن – ديسمبر 1907 – كانت البلاد تعيش على إيقاع انقلاب حاسم في أعلى هرم السلطة: مولاي عبد الحفيظ، استغل تراجع شعبية أخيه مولاي عبد العزيز ، كي ينصّب نفسه سلطانا على “الإيالة الشريفة”. العقل المدبر للانقلاب كان اسمه محمد عبد الكبير الكتاني.
عبد العزيز كان عمره عشرون سنة عندما تربع فعليا على عرش المملكة، بعد وفاة متعهده أحمد بنموسى، المشهور بباحماد عام 1900. بعد سبع سنوات من الحكم كانت الحصيلة كارثية: خزينة المملكة فارغة، الديون الخارجية وصلت رقما قياسيا، الضرائب تثقل كاهل التجار والفلاحين، البسطاء يموتون من الجوع والقهر والظلم على يد الأجانب والمحميين، أولئك المغاربة الانتهازيون الذين حصلوا على جنسية البلدان الاستعمارية كي يحموا مصالحهم على حساب استقلال البلاد، الفرنسيون احتلوا وجدة وأنزلوا قواتهم في الدار البيضاء، القصر يسيّره الأجانب، والسلطان يقضي وقته في لعب التنس وركوب الدراجة وتعلم التصوير…. شعبية مولاي عبد العزيز أصبحت في الحضيض، وصار الناس يتجرأون على انتقاده في الأماكن الخاصة والعامة.
عبد الحفيظ كان خليفة أخيه الأصغر على مراكش، وبخلاف عبد العزيز، كان الرجل يحظى باحترام العلماء باعتباره شخصا مثقفا، يؤلف الكتب وينظم الشعر ويشارك في “النقاش العمومي”. من قصره في المدينة الحمراء، كان عبد الحفيظ يراقب تدهور شعبية أخيه، ويترقب اللحظة الحاسمة للانقضاض على العرش.
في ديسمبر 1907، اقتنع أن الفاكهة نضجت تماما وحان قطافها، ولم يجد صعوبة في جمع علماء مراكش كي يبايعوه سلطانا مكان أخيه، الذي انفصل عن النخبة والمجتمع. لكن مراكش وحدها لن تجعل منك سلطانا، رغم أهميتها التاريخية. مفاتيح الحكم في المغرب القديم كانت في فاس، بيد علماء القرويين وكتاب المخزن وتجار المدينة، وجل هؤلاء كانوا تحت تأثير شخص آخر، مثير للجدل، اسمه محمد بن عبد الكبير الكتاني، مؤسس ما صار يعرف ب”الزاوية الكتانية”. الكتانيون هم أحفاد الأدارسة، وبعضهم يعتبر العائلة أحقّ بحكم المغرب، وينتظر اللحظة المناسبة !
كان محمد بن عبد الكبير، الملقب ب”أبي الفيض”، يملك نفوذا كبيرا في فاس، بفضل قدراته الخطابية وسعة اطلاعه، وعلاقاته مع الشرق، وشبكة الموالين له في مختلف طبقات المجتمع، على رأسهم العلماء والتجار والحرفيون. كان “زعيم المعارضة” في الحكم العزيزي بدون منازع، بفضل خطابه المعارض لخيارات السلطان. في الوقت الذي يستشير فيه مولاي عبد العزيز مع “الكفار” ويستجيب لمطالبهم ويهادن جيشهم، يدعو الكتاني إلى “الجهاد” لإخراجهم من البلد والتنسيق مع العثمانيين المسلمين لإدخال إصلاحات في الاقتصاد والإدارة والجيش. دهاؤه الساسي جعله يحوّل الزاوية الكتانية الى أداة للوصول إلى السلطة. وعندما دقت ساعة الصفر، لم يجد صعوبة في إقناع العلماء بخلع البيعة عن السلطان الذي باع نفسه للكفار ويستعد لبيع البلاد أيضا…
فهم عبد العزيز أن “اللعبة انتهت”، وذهب الى الرباط حيث تحصّن مع مربعه المخزني الصغير، رافضا الأمر الواقع. أما عبد الحفيظ، فقد راسل علماء فاس طالبا بيعتهم، كي يكتمل التتويج. لكن الكتاني ظل متحفظا على مبايعته، بعد أن بات الحاكم الفعلي للعاصمة فاس.
في الرابع من يناير 1908، بإيعاز من أنصار عبد الحفيظ، اجتمع من كانوا يصنعون الشمس والمطر في مغرب “بوحمارة”، ليضفوا شرعية على “الانقلاب”، في ضريح مولاي إدريس، جد الكتانيين.
لم يعترض أحدٌ على خلع “سلطان النصارى”، لكن تنصيب عبد الحفيظ لم يكن سهلا. عندما تلا ابن المواز صك بيعة السلطان الجديد، أمام حشد الأعيان والعلماء، أخذ “أبو الفيض” الكلمة وطلب تقييد البيعة بمجموعة من الشروط، تلك التي كانت سببا في خلع مولاي عبد العزيز. هكذا تمكن الكتاني من تقييد بيعة عبد الحفيظ بستة عشر شرطا تمثل برنامجا كاملا لإنقاذ البلاد من الاستعمار، وتحدّ من حرية السلطان في اتخاذ القرار، وهو ما اعتبره عبد الحفيظ “حجرا عليه”، مما ستكون له عواقب وخيمة على علاقتهما.
في أول لقاء بينهما بعد البيعة المشروطة، بادر الكتاني لدعوة السلطان إلى التعجيل بإرسال الجيش إلى الدار البيضاء لمساعدة المقاومين الذين يحاربون الفرنسيين، لكن السلطان طَلَب منه بلهجة حازمة أن يتوقف عن “الفهامات”، ويرسل الناس الذين تحت إمرته إلى الرباط لقتال أنصار عبد العزيز، دون أن ينسى لومه على الشروط التي قيّد بها بيعته. وحين احتد النقاش بين الرجلين، ردّ عبد الحفيظ بلهجة حاسمة: شكون فينا السلطان أنا ولا انت؟
ليبدأ السقوط المدوي للعقل المدبر للانقلاب، الذي حاول الفرار إلى الأطلس مع عائلته، لكن عبد الحفيظ اعتقله مع أسرته بمساعدة الفرنسيين وجَلَدَه حتى الموت… هكذا ماتت “الحركة الوطنية” في نسختها الأولى، وباتت الطريق معبدة أمام جيوش ليوطي لاستعمار البلاد !
الانقلاب المنسي







