لم يشعر رئيس الحكومة عزيز أخنوش بقليل من الحياء والخجل وهو يغسل يديه كمتعهد جنائز من أرواح فيضانات آسفي ويلصقها بالقدر..
أخنوش نطق كلمات باردة أمام مجلس النواب وترك الحزن لنا جميعا، كما لو أن من فقدوا حياتهم ليسوا بشرًا قبل أن يكونوا مغاربة..
كنا ننتظر أن يركب الرجل ورهطه سياراتهم الحكومية الفاخرة وينتقلوا إلى مدينة صارت رائحة الموت تجوب شوارعها..
لكن أخنوش الذي زار جميع مناطق المغرب لتسخين عظامه انتخابيًا “جاتو آسفي بعيدة”، إن لم نقل إنه عاجز عن اتخاذ أي قرار قبل أن تصدر إليه التعليمات..
وهي لربما ذات التعليمات التي حملته إلى منصب رئيس الحكومة..
أما صناديق الاقتراع فتلك حكاية أخرى، بعد أن صار مجرد التشكيك في النتائج يساوي خمس سنوات من السجن…
أخنوش في جلسته الشهرية أمام النواب بدا مثل “تشاوشيسكو” صغير…
ليس لأنه اكتفى بالتعامل مع فاجعة وطنية وأرواح فُقدت بسبب التقصير كما لو كانت حادثة سير بسيطة..
بل لأنه اعترف بأنه لا يخاف الصحافة..
الرجل كان صادقًا ربما للمرة الأولى..
لأن غالبية الصحافة في زمن هذه الحكومة صارت تكتب بمداد من “مازوط”..
وتغرف من المال اللذيذ الذي جعلنا في مواجهة جوقة من النكافات والمطبّلين والمضللين.
أخنوش الذي زادت ثروته بمئة مليار في ثلاثة أشهر، في وقت يغرق فيه المغاربة في الديون والغلاء، اختار أن يصنع لنفسه ثلاثة أنواع من الصحافة…
صحافة لا يخاف منها
وصحافة غي كتخربق..
وصحافة يحترمها لأنها ربما تصفق له حتى تتورم يد من يتسلم مكافأته بعد كل حصة…
بعد أن يختلق معجزات للحكومة…
و يجعل ساكنة الريف تعشق أخنوش..
ويصور سيدة مجهولة وهي تحاول تقبيل يد من عبث بحياة المغاربة..
اليوم هناك حزن عميق في نفوس المغاربة… وألم وحسرة بالغان…
ليس فقط بسبب فاجعة آسفي…
بل أساسًا لوجود مسؤولين يتعاملون معنا كما لو كنا مجرد “بخوش” على حد وصف الراحل الجامعي.
بخوش يمكن أن يموت بشكل جماعي سحقًا تحت أطنان من الإسمنت في عمارة مغشوشة.
بخوش يمكن أن تجرفه سيول لم تجد قنوات لتصريفها في مدينة صرفت عليها أكثر من 70 مليارا.
بخوش يمكن أن يبتلعه البحر وهو يحاول الهرب من بلد يجتهد في نزع الكرامة عن مواطنيه… ويجبرهم على دفع ثمن أخطاء السياسات العمومية…
الطريقة التي تعامل بها أخنوش مع فاجعة آسفي هي دليل آخر على أن التبريرات الجاهزة للحكومة…
والبلاغات الباردة التي تصدرها السلطات المحلية في كل مرة تجود فيها السماء بسخاء أصبحت مدعاة للتهكم والسخرية.
ما حدث بمدينة آسفي، وقبله في مدن عدة، صار يتطلب وبالحاح القطع مع حالة الصمت..
وإشهار الورقة الحمراء في وجه أخنوش وحكومته… ليس في مواقع التواصل الاجتماعي..
بل عبر الانتخابات التي صارت تطرق الأبواب…
هي فرصة ليعود صاحب المزمار لحجمه الطبيعي..
ويعود الكثير من جرذان السياسة لجحورهم ومجاريهم..
هذا لأن معدن الرجل انكشف بعد حملة المقاطعة…
وبعد هاشتاغ “ارحل”.. واحتجاجات “جيل زد”..
ما حدث بأسفي.. وسيحدث… أصبح يقتضي خلق فيضان سياسي ومجتمعي وتحريك الإعفاءات و المتابعات..
لا إصدار بلاغات لتحقيقات لا تلد أي متهمين…
اليوم يتيعن محاسبة من يرفلون في نعيم الفساد من خلال شركات تنمية، وتهيئة، ومؤسسات منتخبة غارقة في النهب..
كما صار مطلوبا وضع ملفات كثيرة تحت مجهر المساءلة، ومنها جدوى صفقات تأهيل المدن التي تستهلك عشرات المليارات..
صفقات تركز على الزفت وأعمدة الإنارة والترصيف والبهرجة الاستعراضية، عوض أن توجه إلى تدعيم البنيات التحتية وعلى رأسها تقوية شبكات الصرف التي أصبحت عاجزة ومتهالكة وغارقة في صفقات مشبوهة.
ما حدث يستوجب التساؤل أيضًا عن جدوى استنزاف مئات الملايير من جيوب المواطنين لصالح الشركات المكلفة بالتطهير، ليجدوا أنفسهم مجبرين على إنقاذ منازلهم من الغرق، بما توفر لهم، بعد أن فاضت البالوعات واختلطت التساقطات بمياه الواد الحار.
واقع عبثي يقتضي أيضًا إجبارية إخضاع المنتخبين لتكوين يقطع مع العقلية التقليدية في العمل الجماعي..
تكوين يعطينا مجالس بفريق احترافي قادر على مواكبة متطلبات مدن أصبحت تتمدد، وتختنق تحت وطأة مشاكل لا حصر لها، مع البحث بجدية عن “الحبل الضائع” لربط المسؤولية بالمحاسبة..
هذا بعد أن اعتقدنا واهمين.. أو عن حسن نية، أن تقرير الحسيمة منارة المتوسط وما تلاه، كان بداية القطع مع التقصير وتبديد المال العام والإفلات من العقاب لدى المنتخبين، والولاة والعمال، والمسؤولين الحكوميين.
نعم.. وبعيدا عن هيبة الدولة التي صارت مظلة للفاشلين والفاسدين..
المسؤولية تقع أيضًا على السلطات المحلية…
رغم محاولات الاختباء وراء الجمل الرسمية التي ترد في بلاغات غالبًا ما يتم تدويرها لاستعمالها في كل مرة تقع فيها كارثة جديدة…
عيقتو….
الفيضان الذي يُخيف أخنوش







