تتجه فرنسا إلى تشديد غير مسبوق لشروط إدماج المهاجرين الأجانب والحصول على الإقامة طويلة الأمد والجنسية، في خطوة تعكس تحولا واضحا في مقاربة ملف الهجرة والاندماج. فابتداء من فاتح يناير 2026، لن يعود الاكتفاء بمتابعة التكوينات الإدارية كافيا، إذ سيصبح النجاح في امتحان مدني رسمي شرطا أساسيا لا محيد عنه بالنسبة لآلاف الأجانب المقيمين فوق التراب الفرنسي، من ضمنهم عدد كبير من المغاربة.
التحول الجديد، الذي تروج له السلطات الفرنسية باعتباره تعزيزاً لمسار “الاندماج الجمهوري”، يرتكز على فرض امتحان يقيس مدى معرفة الأجانب بقيم الجمهورية ومبادئها ومؤسساتها.
وفي هذا السياق، أعلنت وزارة الداخلية الفرنسية عن إطلاق منصة رقمية مخصصة للتحضير لهذا الامتحان، في خطوة استباقية لتهيئة المعنيين بالقرار قبل دخوله حيز التنفيذ. المنصة الجديدة تضم 222 بطاقة موضوعاتية ومحتويات منظمة، تهدف إلى تعميق فهم المترشحين لمفاهيم تعتبرها الدولة الفرنسية مركزية في علاقتها بالمقيمين الأجانب.
ويندرج هذا المستجد ضمن مقتضيات قانون 26 يناير 2024 المتعلق بـ“مراقبة الهجرة وتحسين الاندماج”، والذي ينص على ضرورة الإدلاء بشهادة النجاح في الامتحان المدني عند أول طلب للحصول على بطاقة إقامة متعددة السنوات أو بطاقة الإقامة الدائمة بالنسبة لرعايا الدول غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، إذ وسّع مرسوم حكومي صادر في 15 يوليوز 2025 نطاق هذا الشرط ليشمل أيضا طلبات التجنيس، ما يعني تشديدا إضافيا لمسار الولوج إلى الجنسية الفرنسية.
وعمليا، يستند هذا الامتحان إلى مضامين التكوين الذي يقدمه المكتب الفرنسي للهجرة والاندماج في إطار عقد الاندماج الجمهوري، والذي يهدف إلى تمكين الأجانب من فهم مبادئ الجمهورية، وآليات اشتغال المؤسسات، والحقوق والواجبات المرتبطة بالحياة داخل المجتمع الفرنسي. ورغم أن المنصة الرقمية الجديدة تكشف طبيعة الأسئلة المحتملة في يوم الامتحان، فإنها لا تتضمن تمارين محاكاة أو وضعيات تطبيقية، مكتفية بتوفير محتوى معرفي وإرشادي، إلى جانب خدمة تحديد مراكز الامتحان المعتمدة عبر مختلف جهات فرنسا.
وبينما ترى الحكومة الفرنسية في هذا التوجه وسيلة لرفع مستوى “الاندماج الفعلي”، يثير القرار تساؤلات متزايدة في أوساط المهاجرين والجمعيات الحقوقية حول مدى تأثيره على فئات واسعة من الأجانب، خاصة القادمين من دول الجنوب، وفي مقدمتهم المغاربة، الذين يشكلون إحدى أكبر الجاليات المقيمة بفرنسا.
كما يعيد هذا التشديد النقاش حول التوازن بين متطلبات الاندماج واحترام المسارات الاجتماعية والاقتصادية المعقدة التي يواجهها المهاجرون في حياتهم اليومية.







