تأكيداً لما سبق وأثارته نيشان حول التوجه الحكومي نحو تحويل عدد من المؤسسات العمومية ذات الطابع الاستراتيجي إلى شركات مساهمة، صادق المجلس الحكومي، في خطوة جديدة ضمن هذا المسار، على مشروع قانون يقضي بتحويل الوكالة الوطنية للموانئ إلى شركة مجهولة الاسم، في تحول مؤسساتي يوصف رسمياً بأنه يندرج في إطار تحديث القطاع وتعزيز حكامته، فيما يثير في الكواليس أسئلة أوسع حول حدود دور الدولة في تدبير المرافق الحيوية.
ويأتي هذا التحول بعد أشهر قليلة من المصادقة على تحويل المكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن، بما يعكس تسارع وتيرة تنزيل ما تسميه الحكومة “إصلاحاً هيكلياً” للمؤسسات والمقاولات العمومية، انسجاماً مع توصيات المجلس الأعلى للحسابات ومع خارطة الطريق الجديدة للسياسة المساهماتية للدولة.
التحول القانوني للوكالة الوطنية للموانئ، التي تشرف على تدبير واستغلال معظم الموانئ المغربية باستثناء مركب طنجة المتوسط ومنطقة مارتشيكا، يُقدَّم من طرف وزارة التجهيز والماء كمدخل لإرساء نموذج حكامة أكثر مرونة واحترافية، يسمح بتقوية قدرات التمويل، وجذب الاستثمارات، وتحسين الأداء التشغيلي في قطاع يعتبر رافعة أساسية للاقتصاد الوطني ولسلاسل التوريد والتجارة الخارجية.
وتراهن الحكومة، من خلال هذا التحول، على تمكين الموانئ المغربية من مواكبة التحولات المتسارعة التي يعرفها النقل البحري العالمي، سواء من حيث تطور أحجام السفن، أو اشتداد المنافسة بين المنصات اللوجستية، أو تصاعد متطلبات السلامة والنجاعة البيئية. كما يُنتظر أن يتيح الشكل الجديد للوكالة تسريع برامج توسيع وتأهيل الأرصفة والمحطات، وتعزيز رقمنة المساطر، وتطوير مناطق لوجستية وصناعية مرتبطة بالموانئ، بما ينعكس على تنافسية قطاعات الصناعة والفلاحة والطاقة والصيد البحري.
غير أن هذا التحول، رغم ما يرافقه من خطاب رسمي مطمئن حول الحفاظ على الدور الاستراتيجي للدولة، يعيد إلى الواجهة النقاش الذي سبق أن فتحته نيشان بشأن “التحويل الهادئ” للمؤسسات العمومية، في سياق يتسم بضعف النقاش العمومي والبرلماني حول الأثر البعيد لهذه الاختيارات على المرفق العام. فمصادر كانت قد كشفت للموقع، في وقت سابق، أن الوكالة الوطنية للتدبير الاستراتيجي لمساهمات الدولة تشرف على مخطط متدرج لتحويل مؤسسات حيوية إلى شركات مساهمة، ضمن رؤية تعتبر أن الشكل القانوني الحالي لم يعد ملائماً لمتطلبات النجاعة والاستثمار.
وفي هذا السياق، تبرز مخاوف متزايدة من أن يتحول منطق “التحديث” إلى بوابة لتقليص الحضور المباشر للدولة في قطاعات استراتيجية، خاصة مع غياب توضيحات دقيقة حول حدود فتح الرأسمال، وضمانات الحفاظ على البعد الاجتماعي والخدماتي للموانئ، التي لا تُعد مجرد منشآت اقتصادية، بل مرافق سيادية تؤثر بشكل مباشر على الأمن الغذائي والطاقي والتجاري للبلاد.
وكان المجلس الأعلى للحسابات قد نبّه، في تقاريره الأخيرة، إلى مخاطر الاكتفاء بتغيير الشكل القانوني للمؤسسات العمومية دون معالجة اختلالات الحكامة والشفافية والفعالية، محذراً من أن تتحول عمليات التحويل إلى غاية في حد ذاتها، بدل أن تكون أداة لإصلاح عميق وشامل. وهي ملاحظات تكتسي راهنيتها مع كل خطوة جديدة في هذا المسار، خاصة في ظل غموض يلف الجدول الزمني، ونطاق الإصلاح، ومدى إشراك الفاعلين المعنيين، من برلمان ونقابات ومهنيين.
وبينما تؤكد الحكومة أن تحويل الوكالة الوطنية للموانئ إلى شركة مجهولة الاسم لن يمس بدورها الاستراتيجي، وأنه سيمكن من تعزيز الاستثمار وخلق القيمة وفرص الشغل، يبقى هذا القرار جزءاً من ورش أوسع لإعادة رسم علاقة الدولة بالاقتصاد، ورهاناً مفتوحاً على تحقيق توازن دقيق بين منطق النجاعة الاقتصادية ومتطلبات المرفق العمومي.







