رغم تقلبات الظرفية الاقتصادية في أوروبا وارتفاع تكاليف المعيشة، واصلت تحويلات مغاربة الخارج نحو المغرب تسجيل مستويات قياسية، مؤكدة مرة أخرى وزن الجالية المغربية في دعم التوازنات المالية والاجتماعية للبلاد.
وكشفت معطيات حديثة صادرة عن مكتب الإحصاء الأوروبي عن حفاظ فرنسا خلال سنة 2024 على موقعها كأول بلد محوِّل للأموال نحو المغرب داخل الاتحاد الأوروبي، بتحويلات قاربت 3,4 مليارات يورو، أي ما يفوق 36 مليار درهم، وهو أعلى رقم تسجله فرنسا في اتجاه دولة من خارج الاتحاد.
هذه الأرقام تعكس، من جهة، الكثافة العددية للجالية المغربية المقيمة بفرنسا، ومن جهة أخرى استمرار اعتماد آلاف الأسر المغربية على التحويلات القادمة من الخارج لتغطية نفقات المعيشة، والتعليم، والصحة، وحتى الاستثمار الصغير في العقار أو الأنشطة المدرة للدخل. وتُعد هذه التدفقات، وفق تقديرات خبراء ماليين، أحد الأعمدة غير المعلنة للاستقرار الاجتماعي، خصوصاً في القرى والمدن الصغرى التي تعتمد بشكل مباشر على أموال المهاجرين.
إسبانيا بدورها واصلت تعزيز موقعها كثاني أكبر مصدر للتحويلات نحو المغرب داخل أوروبا، بإجمالي ناهز 1,5 مليار يورو خلال السنة نفسها. التقرير الأوروبي يبرز خصوصية الحالة الإسبانية، حيث إن الغالبية الساحقة من الأموال المحولة إلى الخارج، بنسبة تقارب 92 في المائة، تتجه نحو دول من خارج الاتحاد الأوروبي، وفي مقدمتها المغرب، ما يعكس الحضور الاقتصادي القوي للجالية المغربية في سوق الشغل الإسبانية، خاصة في قطاعات الفلاحة، والبناء، والخدمات.
وتندرج هذه التحويلات ضمن سياق أوروبي أوسع، إذ تجاوز الحجم الإجمالي للتحويلات الشخصية من دول الاتحاد الأوروبي نحو باقي دول العالم عتبة 52 مليار يورو سنة 2024، مسجلاً ارتفاعاً سنوياً بحوالي 6 في المائة، وزيادة لافتة قاربت 51 في المائة خلال خمس سنوات فقط. أرقام تؤشر على تحولات عميقة في أنماط الهجرة والعمل، وعلى الدور المتنامي للجاليات الأجنبية في الاقتصادات الأوروبية وفي بلدانها الأصلية على حد سواء.
ورغم أن ألمانيا تظل أكبر بلد أوروبي من حيث الحجم الإجمالي للتحويلات إلى مختلف الوجهات بنسبة تناهز 13 في المائة من مجموع التدفقات، تليها فرنسا بحوالي 11 في المائة، فإن خط التحويل المالي بين فرنسا والمغرب يظل من بين أكثر المسارات المالية حيوية على الضفة الجنوبية للمتوسط. ويُنظر إلى هذا المسار باعتباره شرياناً مالياً دائماً، لا يقتصر دوره على دعم الاستهلاك، بل يساهم أيضاً في تعزيز احتياطي العملة الصعبة، ودعم ميزان الأداءات، وتمويل جزء من الواردات الأساسية للمملكة.
وتُظهر معطيات مكتب الصرف أن تحويلات مغاربة العالم تشكل سنوياً أحد أهم مصادر العملة الصعبة إلى جانب عائدات السياحة وصادرات الفوسفاط ومشتقاته، ما يجعل أي نقاش أوروبي حول تشديد مراقبة أو تقييد هذه التحويلات محل قلق حقيقي، ليس فقط على مستوى الدولة، بل أيضاً لدى ملايين الأسر المرتبطة بشكل مباشر بدخل أبنائها في الخارج.







