سلّط الخبيران الاقتصاديان إدريس الفينة وسيسيل هوثورن الضوء على ما اعتبراه تحوّلًا عميقًا ومقلقًا في بنية التجارة الخارجية المغربية، محذرَين من انتقال مركز الاختلال التجاري من أوروبا إلى آسيا، وبشكل خاص إلى الصين، في وقت بلغ فيه العجز التجاري الإجمالي للمملكة مستويات غير مسبوقة.
وفي مقال مشترك، أوضح الخبيران أن العجز التجاري للمغرب ناهز خلال سنة 2024 حوالي 305 مليارات درهم، مشيرَين إلى أن نصف هذا العجز تقريبًا بات مرتبطًا بآسيا، بما مجموعه 152,5 مليار درهم، مقابل 136,8 مليار درهم قبل سنة واحدة فقط. واعتبرا أن هذا التحول الجغرافي يعكس تغيرًا بنيويًا في طبيعة الاختلالات الخارجية، حيث لم تعد أوروبا، رغم استمرار العجز معها عند 103,2 مليارات درهم، تمثل التحدي الأكبر، في مقابل تراجع الفائض التجاري مع إفريقيا.
وحسب المعطيات المعروضة في التحليل، فإن الصين تتحمل النصيب الأكبر من هذا الاختلال، إذ ارتفعت الواردات المغربية منها خلال 2024 بما يفوق 14,2 مليار درهم، في حين لم تتجاوز زيادة الصادرات نحو السوق الصينية 448 مليون درهم فقط. وبذلك، تسهم الصين وحدها بما يقارب ثلث العجز التجاري الإجمالي للمغرب، وبنسبة تتراوح بين 60 و65 في المائة من العجز المسجل مع آسيا، وهو ما يجعلها، وفق الفينة، الشريك التجاري الأكثر ضغطًا على الميزان الخارجي المغربي.
وأشار الخبيران إلى أن طبيعة العلاقة التجارية مع الصين تختلف جذريًا عن تلك التي تربط المغرب بأوروبا، حيث تقوم أساسًا على تدفقات أحادية الاتجاه، يستورد فيها المغرب سلعًا مصنّعة ومعدات ومنتجات عالية الكثافة التكنولوجية، دون ولوج مماثل للمنتوج المغربي إلى السوق الصينية. واعتبرا أن هذا الخلل لا يقتصر على الميزان التجاري، بل يعكس فجوة أعمق على المستويين التكنولوجي والإنتاجي.
وفي تحليلهما، شدد الفينة وهوثورن على أن العجز المسجل مع آسيا لا يمكن اعتباره ظرفيًا أو قابلًا للتصحيح السريع، على غرار العجز الطاقي، بل يعكس تبعية متنامية لسلاسل الإمداد الآسيوية، ما يضعف رهانات السيادة الصناعية ويحد من قدرة الاقتصاد الوطني على تطوير إنتاج محلي قادر على تعويض الواردات، خصوصًا في مجال المدخلات والمكونات الصناعية.
وحذّر الخبيران من أن استمرار الاتجاهات الحالية قد يقود، في أفق 2026 و2027، إلى تفاقم غير مسبوق في الاختلالات، مع احتمال تجاوز العجز التجاري الإجمالي عتبة 350 مليار درهم، وبلوغ العجز مع آسيا ما بين 190 و200 مليار درهم، أي أكثر من 55 في المائة من العجز الكلي، في وقت قد يمثل فيه العجز الثنائي مع الصين درهمًا واحدًا من كل ثلاثة دراهم من العجز التجاري المغربي.
وفي المقابل، دعا الخبيران إلى مقاربة استراتيجية لا تقوم على الانغلاق أو المواجهة التجارية، بل على إعادة تموضع العلاقة مع الصين عبر سياسات صناعية نشطة، تقوم على إحلال الواردات، ورفع متطلبات المحتوى المحلي في الاستثمارات الصناعية، واعتماد شراكات انتقائية موجهة نحو نقل التكنولوجيا والاندماج الإنتاجي داخل النسيج الصناعي الوطني.
وختم الفينة وهوثورن تحليلهما بالتأكيد على أن الرهان الحقيقي لا يتعلق بحجم المبادلات التجارية، بل بجودتها، معتبرين أن التحدي الصيني يشكل اختبارًا حاسمًا لقدرة المغرب على تحويل الانفتاح التجاري إلى أداة لتعزيز السيادة الإنتاجية، مع اقتراب أفق 2030، حيث يصبح السؤال المركزي ليس مع من يتاجر المغرب، بل كيف يتاجر، وماذا يستورد، وماذا ينتج بدلًا مما يستورد.







