وضعَ حكم قضائي صادر حديثا حدا للخلاف والنزاعات التي ظلت تتكرر بين بعض المصحات الخاصة وذوي المرضى حول أحقية تسليم الملفات الطبية، بعدما قضت المحكمة الابتدائية بالرباط لفائدة أحد الورثة بتمكينه من نسخة كاملة من الملف الطبي والتقرير الصحي الخاص بوالده المتوفى، مع ترتيب جزاءات مالية في حال التماطل في التنفيذ.
القضية، التي بتت فيها المحكمة بتاريخ 8 ماي 2025، انطلقت بعدما تقدم ابن المريض الراحل بدعوى ضد مصحة خاصة كان والده يتلقى بها العلاج بقسم الأورام منذ يوليوز 2022، مؤكدا أنه تقدم مرات متعددة بطلبات للحصول على الملف الطبي لأغراض قانونية وإدارية مرتبطة بحقوقه كوريث، غير أن المصحة ظلت ترفض تمكينه من الوثائق، بل صرحت في مسطرة سابقة بأنها لن تسلمه الملف إلا بناء على حكم قضائي. هذا الرفض دفع المعني بالأمر إلى توجيه إنذار رسمي مدعم بوثائق الإثبات، قبل أن يلجأ إلى القضاء للمطالبة بحقه في الاطلاع على الملف الطبي لوالده.
المحكمة اعتبرت أن الطلب مستوف للشروط الشكلية، وانتقلت إلى مناقشة الجوهر، حيث استحضرت صراحة مقتضيات المادة الثانية من القانون رقم 131.13 المتعلق بمزاولة مهنة الطب، التي تنص على حق المريض أو نائبه أو ذوي حقوقه بعد الوفاة في الحصول على المعلومات الطبية ونسخة من الملف الطبي.
وأكدت أن المدعي أثبت صفته كوريث، وأن العلاقة العلاجية بين المصحة والمريض ثابتة، ولا يوجد أي نص قانوني يمنع تسليم الملف الطبي إلى الورثة.
وفي تعليلها، شددت المحكمة على أن تمسك المصحة بسرية المهنة لا يمكن أن يشكل مبررا قانونيا لحرمان ذوي الحقوق من الوثائق الطبية، طالما أن القانون نفسه نظم هذا الحق وربطه بصفة الطالب وبوجود مصلحة مشروعة. كما اعتبرت أن ثبوت توصل المصحة بالإنذار وعدم استجابتها له يشكل تماطلا يبرر التعويض، تطبيقا لمقتضيات قانون الالتزامات والعقود، وإن كانت المحكمة قد قدرت مبلغ التعويض في 1500 درهم فقط، بدل 20 ألف درهم التي طالب بها المدعي.
وانتهى الحكم إلى إلزام المصحة بتسليم الملف الطبي والتقرير الصحي لوالد المدعي تحت طائلة غرامة تهديدية قدرها 200 درهم عن كل يوم تأخير، مع تحميلها مصاريف الدعوى، ورفض ما زاد عن ذلك، بما في ذلك طلب النفاذ المعجل الذي اعتبرته المحكمة غير مبرر قانونا في هذه الحالة.
ويكتسي هذا الحكم أهمية خاصة في تكريس حق المرضى وذويهم في الولوج إلى المعلومة الطبية، وفي توضيح الحدود القانونية لمبدأ السرية المهنية في المجال الصحي، بما يوازن بين حماية المعطيات الشخصية وضمان الحقوق القانونية والإدارية للمواطنين، خصوصا في السياقات التي تلي الوفاة وتترتب عنها آثار قانونية وحقوقية متعددة.







