في الوقت الذي تواصل فيه الحكومة الترويج لبرنامج “التدرج المهني” كأحد أعمدة سياستها لإدماج الشباب غير الحاصلين على شواهد في سوق الشغل، تفيد مصادر مهنية وجمعوية متطابقة بأن تنزيل هذا الورش يواجه، على مستوى الواقع، اختلالات بنيوية تعرقل تحقيق الأهداف المعلنة، وتُفرغ البرنامج تدريجيا من مضمونه الإدماجي.
وبحسب مصادر مطلعة، فإن عددا من الجمعيات والمؤسسات المنخرطة في تنزيل البرنامج تشكو من ضعف حاد في المواكبة والتأطير من طرف المصالح المختصة، وتأخر في صرف الاعتمادات، وغياب آليات واضحة للتتبع والتقييم، ما يجعل التدرج المهني، في كثير من الحالات، أقرب إلى مسار تكويني هش، غير قادر على ضمان إدماج فعلي ومستدام للمستفيدين في سوق الشغل.
وتضيف المصادر ذاتها أن التوسع الكمي الذي تعرفه برامج التدرج لا يواكبه توسع مماثل في الموارد البشرية واللوجستية، إذ يُسجَّل خصاص واضح في الأطر المكلفة بالتتبع الميداني، ونقص في الميزانيات المرصودة، ما ينعكس سلبا على جودة التكوين وعلى شروط استقبال وتأطير المتدرجين داخل الوحدات الإنتاجية، خصوصا في القطاعات الفلاحية والقروية التي يُفترض أن تشكل المجال الحيوي لهذا البرنامج.
ويأتي هذا في وقت كانت فيه وزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات قد أعلنت، خلال نونبر الماضي، عن توقيع اتفاقيتين جديدتين لتوسيع برنامج “تدرج” في قطاعي الفلاحة والصيد البحري إلى غاية سنة 2030، مع أهداف رقمية طموحة تهم تكوين عشرات الآلاف من الشباب. غير أن المصادر تعتبر أن هذا التوسع، في غياب معالجة الاختلالات السابقة، يهدد بتحويل البرنامج إلى ورش واسع في العناوين، ضعيف في الأثر، ومحدود في نتائجه الاجتماعية الفعلية.
في هذا السياق، دخل النائب البرلماني محمد عواد، عن فريق التقدم والاشتراكية، على خط هذا الجدل، موجها سؤالا كتابيا إلى وزير الإدماج الاقتصادي حول ما وصفه بـ“الاختلالات المرتبطة بتنزيل التدرج المهني”.
وأشار النائب إلى ضعف أو غياب التتبع من طرف الأطر المختصة، وتأخر صرف الاعتمادات، وعدم تمكين الجمعيات الشريكة من الوسائل الضرورية لإنجاح البرنامج، فضلا عن محدودية الميزانية المرصودة مقارنة بحجم الأهداف المعلنة.
وطالب البرلماني الوزارة بالكشف عن أسباب هذا التعثر، وعن التدابير المتخذة لتصحيحه، بالنظر إلى الأهمية الاجتماعية والاقتصادية للتدرج المهني، خصوصا في سياق يتسم بارتفاع معدلات البطالة في صفوف الشباب، وتقلص فرص الإدماج بالنسبة لغير الحاصلين على شهادات.
وكان الوزير يونس السكوري قد أكد، في مناسبات سابقة داخل البرلمان، أن برنامج التدرج المهني يندرج ضمن خارطة الطريق الوطنية للتشغيل، ويستهدف فئة الشباب بدون تعليم ولا تكوين ولا دبلوم، معتبرا إياه جزءا من الحل لإشكالية فقدان مناصب الشغل، خاصة في العالم القروي. غير أن المعطيات على أرض الواقع، والأسئلة البرلمانية المتكررة، بحسب المصادر، تضع هذه التصريحات أمام اختبار المصداقية والنجاعة، وتطرح مجددا سؤال الفجوة بين الخطاب السياسي وواقع السياسات العمومية كما تُمارَس على الأرض.
وبينما تراهن الحكومة على التدرج المهني كأداة لتخفيف الضغط الاجتماعي الذي تخلقه البطالة، يحذّر فاعلون من أن استمرار الاختلالات الحالية قد يحوّل البرنامج من رافعة إدماج إلى عنوان جديد لتعثر برامج التشغيل، بما يحمله ذلك من كلفة اجتماعية وسياسية لا يُستهان بها.







